لا تلمسني!

لا تلمسني!

لم أفعل شيء. صدقني. لقد كنت جالسا في بيتي وحيدًا مع عائلتي، نتشارك العشاء. فهل هذه جريمة؟! لماذا إذن تقوم بسحبي إلى هذه الغرفة؟ ماذا ستفعل بي؟ أنا خائف جدا.

ممر أسود قاتم اللون أرى فيه أضواء صغيرة،  تستيقظ قليلا وتنام قليلا، قال لي أبي أنه يجب علي التفكير دائما بالأسوء لكي لا أتفاجأ. لكنني لم أكن أستطيع حتى إغماض عيني، لقد شعرت بالغيرة من تلك الأضواء الصغيرة. كنت كعادتي أساعد أبي في أعماله اليومية في الحقل. لحين يوم الأربعاء في تمام الساعة التاسعة مساءا عندما أرسل لنا الجيش إنذارا بإخلاء البيت قبل أن يسقطو صاروخهم الذي سيقوم بتنظيف ما بناه جدي بيديه.

كان خائفا، أرى عيون أبي تصرخ بكلمات غريبة وهو يقوم بحملي أنا وأخوتي من أطرافنا. لم أكن أعرف ما إن كان بكاء أختي نتيجة الموقف والصراخ أم لأن أبي كان يعصر يديها وهو يركض خارجا بها من المنزل. أمي كانت تقوم بأخذ الملابس لحين أن بدأ أبي بالصراخ عليها لتترك كل شيء وتهم بالخروج. لقد قمنا بنزول الدرج دون إعطاء أي إنتباه لما يحصل حولنا، عندما بدأ الجيران بالصراخ على بعضهم البعض لمساعدتنا بالخروج. لقد كان الصوت عالي جدا، هذا الصوت الذي صدر عندما وقع هذا الشيء الحديدي الذي أخرج صوت من جوف نار قامت بهدم كل أحلام جدي بأن نمتلك منزلا يحمينا من برد الشتاء وحر الصيف.

كان لوني أبيض وكل الناس الذين يحيطون بي كانوا يقولون عبارات لم أفهمها. كلام يذكر به الله لكنه كان في ذلك الوقت كان من دون معنى لأبي. لم أفهم كلام أبي عندما قال لأبو محمد أنه لم يعد يهتم بهذه الأرض وأنه يجب عليه الرحيل لمكان أخر. 

لكن ماذا عن ألعابي؟ وصحني المفضل؟ ماذا عن كتبي المدرسية؟ ماذا سأقول لمعلم الصف في الصباح؟ لا يهم فهو  لن يصدقني كعادته. 

ذهبنا إلى بيت عمي أبو خالد، لنمضي هذه الليلة التي كانت بمثابة أنهار دموع سالت من أعين عائلتي. كانت هذه الليلة أسوأ ليلة قد مرت علي. من هذا الشخص الذي رأيته يسحبني إلى تلك الغرفة المظلمة؟  إستيقظت خائفا لأرى أبي لأول مرة يبكي مثل ما أبكي عندما أفقد ألعابي وأقلام تلويني! ذهبت إليه لأنام في حضنه، عندها إحتضنني كما لو أنه وجد ما كان يبحث عنه طول هذه المدة.

في الصباح الباكر، إستيقظت على صوت إطلاق النار الذي يحصل من حولنا! ما هذا؟ الناس تمشي حاملين ملابس ملفوفة بطريقة دائرية تحتوي على ملابس أخرى وطعام. وأنا مستلقي في داخل سيارة لنقل البضائع، كانت أمي جالسة تتحس رأسي أنا وإخوتي، أماه؟ أين نحن ذاهبون؟ 

نظرت إلى وهي تبتسم والدموع في عينيها وقالت لي أن خالك ينتظرنا في بيته لأننا ذاهبون لزيارته. فرحت كثيرا، لم أرى إبن خالي سعيد منذ سنة… ياه سأقوم بلعب الكرة في تلك الساحة الكبيرة المجاورة لبيتهم.

سمعت أبي يقول للشرطي أنه أت من أريحا، وأنه قد خسر بيته وأنه قادم لينعم بحياة طبيعية مثل كل هؤلاء الناس الذين هربوا من هذه الأرض. أكملنا طريقنا، كانت الناس تتحدث في مواضيع عادية كما وأنه لم يحدث لهم أي شيء. أبي إلتفت إلى أمي وقال لها: أنظري إلى أهل غزة أظن أنهم يأخذونهم الى مكان مختلف، غريب لا؟ لكن أمي إكتفت بهز رأسها فقط.

أظن أنها لم تعطي الإنتباه لأي شيء يحصل من حولها، كانت شاردة تتحسس رأسي فقط.

قاموا بنقلنا في مجموعات، لقد رأيت كثيرا من الناس الذين يأتون من نفس منطقتنا! غريب! هل هم أتون ليزوروا خالي أيضا؟!

قمنا بالجلوس في مكان فارغ يحتوي فقط على الرمال. عندها تشاركنا الطعام مع عائلة أخرى ترافقنا في رحلتنا، سألتهم عن سبب قدومهم معنا، فضحك الرجل وقال لي: يا ولدي هل تعرف السردين؟ فهززت رأسي ب لا، فضحك وقال: ستتعرف عليه عندما نصل إذن وقال أنه متأكد أنه سيعجبني. فابتسمت وأنا لا أفهم ما يقول.

أكملنا طريقنا لنصل إلى مكان مليء ببيوت حديدية متوسطة الحجم، وأناس يحملون المياه على رؤوسهم وينقلونها إلى تلك البيوت. رأيت بعضا من الناس يقومون بالإلتفاف حول فتاة وأمها،  يقومون بتغطيتهم لكي تستحم الفتاة الصغيرة، هذا ما إكتشفته حينما بدأت أختي تستحم في هذا المكان أيضا، كانو ينظرون إلينا بطريقة لطيفة جدا وبدأو بمساعدتنا بنقل أغراضنا إلى بيتنا الحديدي الذي لا يملك باباً بعد! إنه صغير جدا، لكنه جميل. كنا أنا وإخوتي نسترق السمع الى جارنا المجاور لنا من جهة الشمال، يسرد القصص لأبنائه لكي ينامو، لكنه لم يدري أننا ننام أيضا.

بعد فترة من وصولنا، بدأ أبي بصنع الباب لبيتنا، كنت أساعده  و أنا لا أعرف أننا سنبقى هنا إلى ما لا نهاية! لقد كنت شاردا طول الوقت أسترجع صور ذلك الشيء الحديدي الذي سقط على بيتنا، كان كنقطة ماء تصنع حفرة في قلب التربة عند سقوطها.

بعض مضي يومين، ذهب أبي لشخص يسكن في أخر الشارع، إكتشفت أنه الشخص المسؤول عن الكهرباء. سأله أبي  إن كان بالإمكان أن يقوم بتزويد بيتنا بالكهرباء، فجاوبه بأنه سينظر بهذا الأمر في الصباح. لكنه كان ينظر إلى ساعته طول المدة التي كنا ننتظر فيها جوابه! فإستأذن من أبي للذهاب لفعل شيء ما! عندها رأيته يقوم بإنزال تلك اليد التي تتحكم بتزويد الكهرباء، وبعدها رفع اليد المجاورة لها.  وفجأة رأيت الناس يتحركون بأفواج حاملين معهم أشيائهم من طعام وشراب وأطفال صغار، فتفاجأت عندما رأيت أمي تمشي بين تلك الصفوف! أماه إلى أين أنتي ذاهبة؟ فردت علي قائلة أن الناس قالو لها أنه يجب عليها التحرك الآن! خفت كثيرا، تذكرت يوم هدموا بيتنا، أسوف يفعلون ذلك مرة أخرى؟ ضممت ساق أبي بقوة أحتمي بها، فأمسكني أبي من يدي وقال لي: لا تخف سيحصل هذا كل يوم فعلى الناس التحرك إلى الجزء المضاء من المخيم لكي يستفيدو من الكهرباء. لكنني سألته قائلا: لكن أين سينامون؟ قال: عند بعضهم البعض.

قضينا تلك الليلة في بيت أحد الناس الذين يعيشون في الجزء المضاء وكان أبي يقول لهم أنه بأمكانهم فعل المثل عندما يحصل العكس، قضينا الليلة نستمع إلى الموسيقى التي تصدر من القهوة. كان الناس يستمتعون بسماع تلك الموسيقى، سألت أمي زوجة أبو حازم الذي سنقضي عنده الليلة إن كان بالإمكان أن تقوم بغلي الحليب لأطعام إخوتي، وذهبتا إلى المطبخ وهن يتبادلن الأحاديث. في الصباح كنا نذهب إلى مكان كبير فارغ لإستلام طعامنا، لم أكن أحب ما يحصل. كنت أرى أمي تصنع الطعام لنا عندما كنا في بيتنا، وكان أبي يقول لنا دائما: عندما أعمل، نأكل جميعا، وعندما أغفل سنجوع جميعا. وعندما تكبر، ستعتني بي كما إعتنيت بك يا ولدي.

كنا نقف في صف طويل ننتظر دورنا لنأخذ الفاكهة والطعام التي كنت أرى أبي يجلبهم دائما من الحقل الخاص بنا. أحسست بالخجل، لكن أمي كانت  تقول لنا أنه لا يمكننا تغيير واقعنا بعدما خسرنا كل شيء.

وأكملت ب: أتمنى أن تكون كل الأوقات مثل وقت الطعام،  حيث لا توجد هنالك أي مشاكل، سترى الناس الجائعة تأكل دون أن “تهكل الهم”. حتى أن الطعام يجمع الناس ولا يفرقهم. فسألتها: لكن لماذا قاموا بهدم بيتنا ونحن نأكل؟ فنظرت إلي وفي دموعها غصة لكنها إبتسمت وقالت لي أن الغد سيكون أجمل، وأنهت ب إنشاء الله.

الجوكر محمد السراديح

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

1 93