لماذا لا أبالي؟

لماذا لا أبالي؟

 

يتابع أبو محمد نشرة الأخبار الصباحية في بقالته، أو حسب ما يطلق عليها سمة البدن الصباحية، وخلال حديث المذيعة عن تاسع خبر يشغل حديث الشعب هذا الأسبوع، يداخله رأفت -سائق تكسي- بقوله: “يزم جنّنونا هظول، كل يوم سولافة جديدة تقول إحنا ناقصين” ثم يردف قائلاً ماداً بيده ورقة الخمس دنانير: “مالبورو أحمر يا غالي”، وبانتظار وصول باقي ماله يكمل “والله بطّلت توفي، الدنيا أزمة والبنزين غالي والشوارع مش شوارع و آخر اشي بدهم يرفعوا الضرائب…”

 – أبو محمد: “الله بعين”

يبتسم رأفت وهو يسحب سيجارة بفمه من الباكيت الجديد متجهاً إلى سيارته المتروكة في وسط الشارع ملقياً الغلاف وراءه.

استيقظ معاذ في تمام الساعة السابعة والنصف صباح يوم الأحد مليء بالغيظ والنعاس -ها هو أسبوع جديد من العمل الفارغ الممل لكنه مضطر للعمل، فكم منّا قادر على إيجاد وظيفة مستقرة في هذه الأوقات؟ حلق لحيته، وارتدى ملابسه و وضع عطره المفضل مستغرقاً بضع دقائق تأكد فيها من جمال مظهره ورتابته، ثم انطلق مسرعاً لعل وعسى يصل اليوم إلى عمله في الوقت المحدد. و في طريقه إلى الشارع الرئيسي لركوب الحافلة، اشترى معاذ كوباً من القهوة من تلك الأكشاك المترامية على الشارع مع علبة سجائر.

 

– قال: “ياه، مافي أحلى من سيجارة الصبح مع كاسة قهوة” مع أول رشفة للقهوة.

 بمجرد اشعالها وإذ بزامور باصِ يصدوا من خلفه منبهاً اياه. “بييب… بيييب طالع شب ؟” هزّ معاذ رأسه مجيباً ثلاث ’سحبات’ سريعة للإستفادة من تلك السيجارة مفرغاً بنفس الوقت نصف كوبه من القهوة على الشارع. هاهي سيجارته بوهج رأسها المشتعل ملقاة على الشارع يغطيها دخان عادم الباص منطلقاً.

تنتظر سعاد دور موعد ابنها لدى طبيب الأطفال في المستشفى بأحر من الجمر، فهي تنتظر من الساعة الثامنة صباحاً آملةً بقدومها مبكرةً بالإنتهاء سريعاً. فتشير الساعة الآن إلى الثانية عشر وخمسة عشر دقيقة ولم يحن دورها بعد. وإذ بشخص يرتدي بدلة يطرق على الباب.

– يفتح الباب

– يدخل

– ثم يقول “أنا من طرف…” يُغلق الباب قبل إكمال الجملة.

وبقلب مليء بالغيظ تقول سعاد ” شو هاد، ما إحنا…” تصمت لوهلة ثم تقول لإبنها ماسحةً عرق جبينه “معلش حبيبي هلق بيجي دورنا”. وتستمر يدها بمداعبة شعر إبنها من تلقاء نفسها ثم تكمل في عقلها جملتها وهي تنظر إلى باب العيادة “ما إحنا وصحتنا ووقتنا ما إله قيمة”. ثم تتنهد  فإن صوتها لا أثر له، فلما الغلبة؟

يلتفت رأفت إلى يساره مُحولاً مساره بسرعة إذ كان على وشك الإرتطام بحافلة مسرعة، بتلك الحافلة يقف معاذ يوازن كوب القهوة بيده وممسكاً بالماسورة بيده الأخرى آملاً أن لا يقع أو يرتطم بالفتاة خلفه. تجلس رؤى على طرف المقعد بجانب اثنتين اضطرت أن تزعجهم بسبب قلة الحافلات المتاحة حالياً وقول الكنترول لها وهي تصعد “الله بعينكم صبايا هيًو الشب نازل هون”. لم يغادر أحد بل وآتوا عشرا آخرين. تستطيع أن تشعر بتوتر رؤى فهذا هو الباص الثالث لهذا الصباح لتصل إلى محاضراتها الصباحية.

– “أووف شو أزمة، نخنقنت”… قالت الفتاة التي تجلس بجانب رؤى.

وإذ بالباص يقف على مدخل النفق بعيداً عن بوابة الجامعة بمئات الأمتار قائلاً: “مين عال…، أزمة بعينكم الله”. بدأ الناس بالنزول ورؤى تزداد بكل خطوة توتراً. ها هي تحاول قطع الشارع مليئة بالغيظ لأنها ستتأخر خمسة عشرة دقيقة أخرى. تغلق رؤى باب غرفة المحاضرات بعدما منعها المحاضر من الدخول. نفس عميق ثم تقول لنفسها وهي متجهة إلى الحمام “أنا حظي اليوم زبالة”.

تقع بقالة أبو محمد بجانب مبنى لسينما قديم من خمسينات القرن الماضي. هذه السينما أو بالأحرى ما بقي منها تم شراؤه لهدمه المقرر غداً. ما كان يوماً ما مركزاً ثقافياً تجتمع فيه العائلات والأفراد بحفلاته وأفراحه سيصبح غداً ركام من الحجارة. “صار عتيق وما حدا بروح عليه، تبنيلك مجمع تجاري أحسنلك”، هكذا ارتأى مالك المبنى عند اتخاذه القرار.

-بيييب بييييب…

لمح رأفت ابنه قصي في الشارع مع اصدقائه

– بييييب “شو بتعمل يا ولد؟ ليه مش بالمدرسة؟”

-“…هممم، روحونا يابا، الأستاذ مريض” مُخبئاً السيجارة خلفه.

– “عالدار ولا”

ويكمل رأفت طريقه لإيصال راكبه، ويعود قصي للضحك مع أصدقائه غير أبهٍ لمّا حدث للتو.

 

تعلّق نجوى على البث المباشر لإحدى القنوات الفضائية على هاتفها ب” هلكتونا”، فهذا هو اليوم الثاني لإضراب شعبوي على قررات حكومية تتعلق بالضرائب. وعلى غرار يوم أمس، حين كان هنالك الآلاف من المواطنين يحتجون، نرى اليوم بضع من المئات ينددون بالقرار. وهكذا يمضي الحال في مجتمعنا، شعور وفهم ونسيان – هو ليس بنسيان بقدر ما هو فقدان للأمل، هي لامبالاة. فكم منّا معاذ وسعاد ورأفت ورؤى؟ كم منًا يُؤذى ثم يتذمر؟ وكم منّا يغاضي و يتصرف بما يراه مناسباً؟ كم منّا صمت وتأفأف و تحسبن ودعى و قال “معلش”؟ كم منّا جادل حقوقه ليوم ثم نسي؟ كم منّا رأى و مشى وكم منّا تمنى الهروب والهجرة؟

هنالك شعور من الضياع وفقدان للأمل تجاه عناصرنا الحياتية اليومية، فهل أنا آمنٌ على صحتي ومستقبلي الوظيفي وتعليم أبنائي و أرضي ومالي وهوائي؟

 

الأمن والأمان

 الأمن: هو الحالة التي يكون فيها الإنسان محمياً ضد أو بعيداً عن أي خطر يهدده، كما أنه إحساس يتملك الإنسان من خلال التحرر من الخوف. والأمن هو أيضا إحساس بالطمأنينة التي يشعر بها الفرد، سواء أبسبب غياب الأخطار التي تهدد وجوده، أو نتيجة لإمتلاكه الوسائل الكفيلة بمواجهة تلك الأخطار حال ظهورها. وبتعريفه العام والخاص المتعلق بشعور وحالة الأفراد، فهل هذا ما يُتعارف عليه من مصطلح الأمن؟

يتوارد في الأذهان عند قراءة كلمة الأمن مفاد الأمن الدولي؛ أي بمعنى سلامة البلاد من الحروب والتهديدات وسلامة الحدود وغياب أشكال الدمار، ولكن هو ليس محدود بذلك، فهنالك اتجاه عالمي على اتخاذ مفهوم الأمن الإنساني كمسيّر للمفهوم العام للأمن، فالأمن الإنساني هو ذلك المرتكز على الفردالإنسانكبوصلة لعمله. فهو يتجه للتّركيز على عقبات تنمية الإنسان وعلى المخاطر التي تهدّد أمنه وكيانه وتحدّ من إمكانيات تطوّره، من خلال توظيف جديد لنظريات الأمن التي تستعملها الدولة وتطبيقاتها القهريّة على الأفراد والمجموعات العرقية. فهنالك دور للدولة بصناعة ذلك، لكن ما دورنا؟

 يقع جزءًا من المسؤولية في تعزيز مفهوم الأمن علينا كأفراد، بتحديد حقوقنا وحياتنا والمطالبة بهاولكن هنالك حالة عامة من اللامبالاة تجاه النفس والآخرين وأمنهم وكيانهم الإنساني، تعود في صميمها إلى حالة نفسية تدافع بها الأنا عن ذاتها، حيث تقترن مع الهروب من الواقع والنكوص وأحلام اليقظة والتبلد عندما يُواجه الواقع المليء بالمشاكل فوق القدرة. فعندما يتعرض الفرد للحرمان مثل البطالة تظهر لديه ميول عدوانية على المجتمع تتمثل أحيانا في اللامبالاة. وعادة يكون تقدير الذات منخفضا فيشعر أن لا قيمة له في المشاركة. وتارة تكون الأحداث متعبة أو مجهدة فيستبعد مشاركته.

بحسب علم النفس فاللامبالاة هي حالة وجدانية سلوكية، تعني أن يتصرف المرء بلا اهتمام في شؤون حياته أو حتى الأحداث العامة وإن كان هذا في غير صالحه. تترافق عدم توفر الإرادة على الفعل وعدم القدرة على الاهتمام بشأن النتائج” أو هي قمع الأحاسيس مثل الإهتمام والإثارة والتحفز أو الهوى. اللامبالي هو فرد لا يهتم بالنواحي العاطفية أو الإجتماعية أو الإقتصادية وكذلك قد يبدي الكسل وعدم الحساسية.

 “ويبدو تطور حالة اللامبالاة إلى اليأس المفرط ثم الخمول الفكري والبدني شبيها بانتشار فيروسات مرض عضال في الجسم حين تنتشر في سرعة وصمت لتنهش جميع أعضائه وترديه طريح الفراش في انتظار النهاية.” -سماح بن عبادة

هذا الشعور العام خطير لمّا ينتج عنه من ضياع مجتمعي، يتجلى مظهرها في فقدان الثقة بين السلطة والشعب، وضعف الإنتماء إلى البلد، وعدم الإهتمام بالخدمة العامة ومصلحة الجماعة الوطنية. خالقاَ بذلك دوامةً مدمرة ومسيطرة من الظلم واليأس.

 

أسامة مبيضين

1 107