لماذا لا نستفيد؟

لماذا لا نستفيد؟

كثيراً ما نقضي من وقتنا في أماكن ليست مخصصة للتعلم والفائدة وكثيراً ما نقضي من أوقاتنا على أشياء لا نتعلم ولا نستفيد منها غالباً. لا أريد أن أتكلم عن المؤسسات التعليمية النمطية مثل المدارس والجامعات والمراكز الثقافية، لأنها أماكن وجب عليها أن تعلمك أو تفيدك بشيء قد ينفعك في الدنيا. بل أريد أن أتكلم عن الوقت الذي نقضيه خارج هذه المؤسسات التعليمية، أي الوقت الذي نقضيه في المقاهي والملاعب والطرقات والحدائق وأمام الشاشات. فنحن أصبحنا نقضي الكثير من الوقت في اللهو واللعب والمتعة، ولا أنفي فائدة المتعة ولكن كثرة اللعب واللهو تقلب الفائدة إلى مضرة، وليس فقط ذلك، بل تصبح هذه المتعة مضرة مفسدة، أي أن اللهو الزائد يفسد في الأخلاق والسلوكيات والأفكار، ويخلط بين الجد والمرح والصدق والكذب.

هنا أريد أن أربط المتعة مع الفائدة والتعلم، أي أن نستفيد من الوقت والمكان والعمل الذي نقضيه فيه. أي أن نزيد من الوعي من ما حولنا لكي نستفيد من المتعة أو اللعب الذي نقوم به، فمثلا في حين تتصفّح مواقع التواصل الإجتماعي ومشاهدة بعض مقاطع الفيديو وبعض المنشورات هنا وهناك، لا بد أن تكتسب شيء لم تكن تعلمه قبلاً. أو أن تكون تلعب في لعبة معينة وتكون ذات محتوى تاريخي قديم، أو محتوى علمي حديث، فيمكنك في هذا الوقت الذي تتصفح به أو تلعب به أن تكتسب بعض المعرفة عن ما يقدمه المحتوى الذي تستخدمه.

ولكن، الذي أريده، أن نخلط بين المتعة والفائدة. أي أن يكون كلامنا في أي سياقٍ كان يحتوي على الصدق والمنطقية والمعلومات المفيدة. أو أن تكون جلساتنا مليئة باللعب المفيد، مثلاً طرح بعض الأسئلة والأجوبة لمختلف المجالات، أو المشاركة في البحث عن معلومة أو شخصية معينة، أو العمل على تحقيق بعض الأعمال التي توجب التشاركية للقيام بها. أو المرح في تنمية المهارات المختلفة، وهذا قد يدخل في “التعليم اللا نمطي” وهو التعلم من خلال الجلسات والنقاشات المختلفة والمتساوية بين الناس. أي أن لا يكون هناك معلم يقوم بتلقين المعلومة للجالسين، بل يكون الطرح تشاركياً وتبادلياً، وكل شخص يقول ما فهم وما لديه من معلومات ومعرفة.

وكلما كانت الفائدة أكثر كلما كان الوقت الذي نقضيه لنا لا علينا. وهكذا نكون قد حصلنا على المزيد من المعرفة العامة التي قد تفيدنا في يومٍ ما، فمثلاً عندما تشاهد بعض اليوتيوبرز الذين يجولون العالم ويتحدثون عن الأماكن التي يذهبون لها ربما لا تكون الفائدة كبيرة ولكن يصبح لديك بعض المعرفة في الأماكن والثقافة والبيئة والسلوكيات لأصحاب الأماكن التي يذهب إليها هذا الشخص.  وتزيد نسبة ذهابك إلى هذه الأماكن في المستقبل، وأيضاً عندما تشاهد بعض المقاطع في الصناعة اليدوية وإعادة التدوير، يصبح لديك معرفة بالأدوات والمعدات والطريقة. أيضاً عندما تشاهد بعض المقالات والمنشورات على مواقع التواصل الإجتماعي قد تقرأ بعض القصص أو المعلومات أو الأفكار الجديدة والمختلفة والحقيقية. هناك أيضاً الكثير من ألعاب الفيديو التي أصبحت تجسد قصصاً من الواقع، وكذلك الأفلام بأنواعها، فهناك الكثير من الأفلام التي جسدت قصصاً من الواقع وأفكاراً مختلفة.

مع كل هذه المدخلات من أفعال وأقوال وأفكار ومواضيع يجب أن تكون حذراً في ما تتلقى وما تسمع أو تقرأ من معلومات. ويجب أن تتحقق من ما تتلقاه لكي تفهم الأحداث أو الكلام أو القصص كاملة لأنها تعرض عليك من وجهة نظر صانع المحتوى، وهو الذي يقودك لفهم ما يريد أو يجعلك ترى ما يقوم به بتسليط الضوء عليه. وهنا أقول أنها مفاتيح، لكي تبحث وتكتشف وتتعلم، فهذه المعرفة العامة لا تكون دائماً صحيحة أو غير محرفة. فعندما نأخذ فكرة أولية عن موضوع معين يمكننا أن نستغل ما تلقيناه من فائدة قليلة لتكبيرها وتنميتها عن طريق البحث وطرح النقاشات وعمل الأنشطة التعلّمية والترفيهية. ربط الترفيه بالفائدة ليست مسألة معقدة وصعبة، قد تكون تحتاج إلى بعض الجهد والعمل ولكن مردودها كبير جداً، لأنها ستزيد من نشاطك وحيويتك وستزيد من معرفتك ومعلوماتك.

أخيراً، ربما يكون الكلام أسهل من الفعل، وجميعنا يعلم ذلك، ولكن إلى متى سنبقى نُضيّع أوقاتنا بما يفسد أفكارنا وأدمغتنا وأجسادنا وسلوكياتنا؟، إلى متى سنبقى نتكلم ونتكلم ونتكلم دون أن نعلم أو نتأكد ممنا نقول؟، إلى متى سنبقى ضعيفين مخدوعين منومين يقودنا أشخاص أضافوا لكلامهم بعض المشاعر الزائفة والرومانسية الكاذبة، لكي يقودونا إلى ما يريدون؟…

كل ما أريده هو أن نفكر بما نقوم بقوله وفعله وطرحه وما العائد عليه، وأن نفكر بما يحدث حولنا وما يشغلنا وما يحزننا وما يفرحنا، وأن نفكر فيما نخوضه من تجارب ومن مغامرات، وما المردود النفسي أو الجسدي أو العلمي الذي حصلنا عليه خلال هذه الممارسات المختلفة التي نقضيها خلال أيامنا التي نعيشها. ثم نقوم بالعمل فيما نراه مفيدٌ لنا ولمن حولنا ولمجتمعنا ولتحقيق السلام في داخلنا وتحقيق السلام في مجتمعاتنا. التعلم والفائدة وكسب المعرفة لا تقتصر على بعض المباني والمؤسسات، فالحياة مدرسة أيضاً…

 يوسف سميك

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

0 444