مفاهيم تتعلق بالسلام

مفاهيم تتعلق بالسلام

شهد عام 2014 ذكرى مرور مئة عام على اندلاع الحرب العالمية الأولى. في هذا القرن، شهد العالم العديد من الصراعات الإقليمية والدولية، وتتالت الصراعات في العالم العربي على مدى العصور، بحيث تدرّجت من زمن الإمبراطوريات والممالك إلى الاستعمار، واستمرت حتى وقتنا الحاضر. بذلك تبقى المنطقة في تذبذب مستدام ما بين الإستقرار المؤقت والصراع. نتيجة لذلك يتكرر سؤالنا عن كيفية تجدد الصراعات بشكل دائم، وعن عدم دوام الإستقرار في المنطقة. قد نستطيع العثور على جواب في تحليل يوهان غالتونغ: عالم اجتماع نرويجي والمؤسس الرئيسي لدراسات السلام والصراع التي عمل كأول بروفيسور لها في العالم في جامعة أوسلو.

في تحليله لمفهوم السلام أوجد غالتونغ مفهومين أولهما “السلام الإيجابي” والذي  يمثل فقط غياب العنف في الدولة، أو بين الدول، أو بين الأفراد ومن أطراف مختلفة. هذا يعني أن الأطراف لا تهاجم بعضها ولا تتصارع لإحراز هدف معين، بل تبقى في حالة سكون. وبما أنه هنالك “سلام إيجابي”، سنفترض تلقائياً خلال قراءتنا لهذا التعريف أن المفهوم الآخر هو  “السلام السلبي”.

السلام السلبي هو سلام بدون عدالة. في حالة السلام السلبي أنت لا ترى الصراع مفتوحاً في العراء، لكن التوتر يغلي لدى الجميع لأن الصراع لم يتم التوفيق عليه مطلقاً. هناك عوامل كثيرة تؤدي إلى تجدد الصراعات بعد انتهاءها و يمكن أن تأخذ هذه العوامل أشكالاً مختلفة؛ فيمكن أن تكون اقتصادية كاحتكار الدولة للموارد وحرمان الشعب منها، أو قد تكون العوامل ثقافية كالاختلاف العرقي والطائفي بين مكونات المجتمع  بسبب وجود عوامل تقود إلى تولد الصراع مرة أخرى في حالة السلام السلبي وهنا يأتي دور السلام الإيجابي في تحقيق سلام مستدام من خلال إقصاء العوامل التي تؤدي إلى تجدد الصراع وخلق مساواة وتمازج أكبر في المجتمع لكي لا ينشئ صراع مرة أخرى. هذا المفهوم يختلف بلا شك عن النموذج المشهور للسلام، الذي يتجسد بإنعدام وجود صراع. بسبب وجود هذا الاختلاف يصعب علينا تحديد وجود سلام إيجابي لأنه من الصعب علينا أن نثبت أن جميع العوامل التي تؤدي إلى نشوء صراع قد أُبطِلت. على عكس ذلك نستطيع تحديد وجود سلام سلبي أو انعدامه بكل بساطة إذا سألنا السؤال التالي: “هل تهاجم الأطراف المتصارعة بعضها مستخدمة العنف علناً؟”

لتسهيل فهم سبب نشوء الصراعات من السلام السلبي، أوجد غالتونغ نموذجاً للعنف سمّاه “العنف الهيكلي”. في العادة، عندما نشاهد قتالاً أو عندما يتم إيذاء فرد أو مجموعة يسمى هذا العنف “العنف الجسدي”. إذاً، فهو فقط نوع من العنف يتم توظيفه في حالة الصراع بين الأطراف المختلفة. أما في حالة السلام الايجابي يستخدم شكل آخر من العنف وهو “الهيكلي” و يتجلى في ممارسة التمييز بأشكاله (مثلاً: العنصري، الطائفي) من قبل مجموعة أو فرد ضد مجموعة أخرى. بالإضافة إلى التقسيم الغير متساوي للموارد والقوة من قبل أحد أطراف الصراع. مثلاً: عندما يقوم أحد بمهاجمتك وإيذائك فهو يمارس عنفاً جسدياً، لكن عندما يتم تخفيض أجور الموظفين من قبل الدولة، فبذلك تمارس الدولة عنفاً هيكليّاً ضد المواطنين.

بعد كل هذه العوامل التي تولد الصراع كفارق أول بين السلبي والإيجابي، يصبح العنف الهيكلي الفارق الثاني، وعلى الرغم من وجود سلام في دولة معينة مثلاً بنوعه السلبي، فإنَّ العنف يظلُّ مُستخدمَاً في هذه الدولة بشكله “الهيكلي” والذي يماثل استخدام العنف “الجسدي” عندما يكون الصراع جار داخل الدولة. لكن في حالة السلام الإيجابي لا يُستعمَل أيُّ شكل من أشكال العنف. فنستنتج بذلك أن عودة الصراع محتمة ما دام نوع السلام في مجتمع أو دولة ما سلبيا. فإن مفهوم السلام اتسع من السلام الإيجابي (أي غياب الحرب والنزاعات والصراعات) ليشمل السلام السلبي (أي غياب الإستغلال، وإيجاد العدل الإجتماعي) وهناك علاقة ارتباطية بين السلام السلبي والسلام الإيجابي.

 

هناك ثلاثة مفاهيم تستخدم في مجال مفهوم السلام وهي:

1. صنع السلام Peace making: يتمثل في مساعدة اطراف النزاع للوصول إلى اتفاق تفاوضي.

2. حفظ السلام Peacekeeping: و هنا يقصد منع اطراف النزاع من الاقتتال فيما بينها.

3. بناء السلام Peace building: هو تشييد ظروف المجتمع حتى يستطيع المجتمع أن يعيش في سلام، وهذا يشمل عدة طرائق منها:

  • التربية في مجال حقوق الإنسان
  • التنمية الاقتصادية
  • زيادة المساعدات
  • التكافل الإجتماعي
  • استعادة الإنسجام والتآلف بين فئات المجتمع الواحد.
  • السلام ضمن هذا المفهوم يتطلب توافقاً بين الفرد ومجتمعه، وبين الرجل والمرأة، وبين البيئة والإنسان بوصفه نوعاً بيولوجيا.


هناك اجماع على ست مراحل مرت بها الصياغات المتعددة لمفهوم السلام بخاصة في بحوث السلام الغربية، هذه المراحل هي:

  • المرحلة الأولى: السلام بإعتباره ممارسة وسلوك في ظل غياب الحرب وهذا ما ينطبق على الصراع العنيف سواء بين الدول ام داخل الدول ذاتها في صورة الحروب الأهلية. هذه الفكرة عن السلام شائعة لدى الناس العادية ولدى السياسيين في الوقت نفسه.
  • المرحلة الثانية: ركزت على السلام بإعتباره توازناً للقوى في اطار النظام الدولي وأحياناً يسمى هذا التوازن بتوازن الرعب عندما يكون مبنياً على توازن قوى عسكرية ذات قدرات تدميرية بين معسكرين أو أكثر.
  • المرحلة الثالثة: تم التأكيد خلالها على كل من السلام السلبي (أي الحيلولة دون نشوب الحرب) والسلام الإيجابي (منع العنف البنيوي داخل المجتمع).
  • المرحلة الرابعة: ساد فيها مفهوم نسوي للسلام (العنف ضد المرأة) لا يفرق بين وجود الحرب أو عدمها عندما يمارس العنف ضد المرأة.
  • المرحلة الخامسة: تم التركيز في هذه المرحلة على فكرة السلام مع البيئة وذلك أن الممارسات الرأسمالية قد اعتدت اعتداء وحشيًّا على البيئة الإنسانية.
  • المرحلة السادسة: مرحلة التركيز على السلام الداخلي للإنسان لإرتباطه ضرورة بالسلام على المستوى الكلي.

 

أصبح مفهوم السلام ينصب في دلالات التنمية الشاملة سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية. لذلك فإن انتقاص هذه الحقوق أو جزء منها أو عدم الموازنة فيها يعد احد الإنتهاكات لحقوق الإنسان الأساسية. نستنتج  مما سبق أن مفهوم السلام قد يدرج ليشمل عدة أبعاد داخل الشخص نفسه وبين الأشخاص وبين الجماعات. كما انتقل المفهوم من السلبية إلى الإيجابية ومن السلام المحلي إلى السلام العالمي و تدرج ليشمل السلام مع البيئة وحقوق الإنسان والتنمية إجمالا.

 

ثقافة السلام

تناول المفكرون والباحثون موضوع ثقافة السلام في مختلف الجوانب، فتنوعت وتباينت معالجاتهم كلاً حسب مجال تخصصه الأمر الذي ساهم في إثراء بحوث ثقافة السلام. هناك من أكد على أهمية وأولوية المستوى الدولي لثقافة السلام حيث تناول الموضوع تحت عناوين مختلفة مثل حوار الحضارات أو الديانات والثقافات. وهناك من ركز على نبذ العنف في تنشئة الأطفال والناشئة، وتبنى مفاهيم التفاهم والتعايش في بيئة تشهد متغيرات تفرضها العولمة وتقارب المجتمعات والثقافات. أما البعض الآخر فقد أكد على المفهوم الشامل والمتكامل لثقافة السلام، وفي مقدمتهم منظمة الأمم المتحدة، حيث تبنت الجمعية العامة فيها إعلان ثقافة السلام. جاء الربط بين كلمة الثقافة والسلام لتكون مصطلحا حديثا فى أدبيات بناء السلام فى اجتماع اليونسكو بساحل العاج فى عام 1989، ثم تطور ليصبح برنامجا متكاملا فى عام 1992 ومن ثم تم تضمينه فى استراتيجية اليونسكو للسنوات 1996م إلى 2001م ليشمل برامج تعاونيه بين الدول فى التعليم والثقافة. حيث أن هدف البرنامج يرمي إلى نبذ العنف ونشر مفاهيم التعايش السلمى واحترام حقوق الآخرين وحرياتهم وتراثهم ومفاهيمهم تحت شعار (التعليم من أجل السلام). الهدف من برنامج السلام هو أن يعيش العالم بمختلف ثقافاته في جو من التسامح والوحدة. بالرغم من شعارات العولمة والوحدة الدولية إلا أن هذه الوحدة تتحكم فيها محددات مثل الأسرة والمجتمع والمجموعات الإثنية والوطنية وغيرها. وللأديان مساهمة كبيرة في تطوير مفهوم السلام والمحبة والصبر والتسامح وغيرها.

عرفت الأمم المتحدة ثقافة السلام على أنها مجموعة القيم والمواقف والتقاليد وأنماط السلوك وأساليب الحياة، التي تستند إلى ما يلي:

  • احترام الحياة وإنهاء العنف وترويج ممارسة اللاعنف من خلال التعليم والحوار والتعاون.
  • الاحترام الكامل لمبادئ السيادة والسلامة الاقليمية والإستقلال السياسي للدول وعدم التدخل في المسائل التي تعد أساسا ضمن الإختصاص المحلي لأي دولة، وفقا لمبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي.
  • الإحترام الكامل لجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتعزيزها.
  • الإلتزام بتسوية الصراعات بالوسائل السلمية.
  • بذل الجهود للوفاء بالإحتياجات الإنمائية والبيئية للأجيال الحاضرة والمقبلة.
  • احترام وتعزيز الحق في التنمية.
  • احترام وتعزيز المساواة في الحقوق والفرص بين المرأة والرجل.
  • الإعتراف بحق كل فرد في حرية التعبير والرأي والحصول على المعلومات.
  • التمسك بمبادئ الحرية والعدل والديمقراطية والتسامح والتضامن والتعاون والتعددية والتنوع الثقافي والحوار والتفاهم على مستويات المجتمع كافة وفيما بين الأمم.

 

يمكن فصل بناء السلام عن ثقافة السلام، لأن السلام ليس بنية نهائية. فثقافة السلام تجعل من السلام بنية دينامكية، تمنع نشوء النزاعات أو تجعل حلَّها ممكنًا بالطرق السلمية، دون اللجوء إلى العنف. ثقافة السلام تضع أسُس البقاء والإستمرار والإلتقاء والتطور. إن ثقافة السلام هي اختيار مقصود. لابد لبلوغ دور مصمم للمؤسسة التربوية تسهم في بناء ثقافة السلام التي تفترض ضمنا وجود تربية للسلام تكون جزءا من نظام تربوي متكامل  يسعى لتطوير فرد متسامح ومنفتح وعادل ومسالم يحترم نفسه ويحترم الآخرين ويتعامل مع الآخرين على قاعدة الحوار والإنفتاح على وجهات النظر المختلفة. إن مثل هذا الطموح التربوي هو في المدى البعيد أمر ميئوس منه إذا لم يتضمن تنمية البيئة الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والسياسية الحقيقية والكفيلة بتعزيز هذه الصفات. لا يمكن للمرء أن يطمح في أن ينجح عبر التربية وحدها في خلق إنسان متسامح وعادل وغير متحيز في تفكيره إذا كانت البيئة التي ينمو فيها سواء داخل أسرته أو في المجتمع الأكبر بيئة قمع واستبداد وقوة وعدم تسامح.

 

ثقافة السلام والأمم المتحدة

ارتبط مفهوم ثقافة السلام بأدبيات الأمم المتحدة منذ تأسيسها في عام 1945. قد ورد في ميثاق الأمم المتحدة “نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد أخذنا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب ونؤكد ايماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية. اعتزمنا أن نأخذ انفسنا بالتسامح، وأن نعيش معا في سلام وحسن جوار وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والآمن الدولي. قد قررنا أن نوحد جهودنا لتحقيق هذه الأغراض “لعبت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) دوراً مهما ً في تبني موضوعات السلام وثقافة السلام في مؤتمراتها العامة وفي برامجها وأنشطتها الدورية، وذلك انطلاقا من ميثاق اليونسكو التي نصت على “إذا كانت الحروب تبدأ في عقول الناس ففي عقول الناس أيضا يجب ان تبدأ عملية بناء السلام. في العقد الأخير من القرن العشرين ارتفعت الأصوات التي تنادي بتعزيز ودعم ثقافة السلام وكانت الجمعية  العامة للأمم المتحدة قد أصدرت في 20 نوفمبر 1997 قرارها باعتبار سنة 2000 هي “السنة الدولية لثقافة السلام”، كما تبنت في 10 نوفمبر 1998 قرارها باعتبار العقد الأول من القرن الجديد (2001 – 2010) هو”العقد الدولي لثقافة السلام واللاعنف من أجل أطفال العالم”. في 6 أكتوبر 1999 أصدرت الجمعية العامة إعلان ثقافة السلام، الذي أعتبر مرشدا عاما للحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع الدولي لدعم وتعزيز ثقافة السلام. فقد اتسعت الدعوة لتعزيز ثقافة السلام لتشمل كل دول العالم، بما في ذلك الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، وكافة المنظمات والهيئات ذات العلاقة على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية.

ذاكرتنا البشرية اليوم مثقلة بالكثير من الصور المؤلمة من الحروب والمجازر التي إرتكبها الإنسان بحق الإنسان. مجرد تخطينا لتاريخنا البشري والدموي وأحقاد أبائنا وأجدادنا هو بحد ذاته عمل نبيل. بمجرد تنظيف أفكارنا ومشاعرنا من هذا التاريخ المظلم هو بحد ذاته رسالة إنسانية وطريقة لبناء السلام. عند بحثنا عن صيغتنا الإجتماعية و الطبيعية وطبيعتنا الذاتية يجب علينا أن نجرب جميع الإحتمالات للإنتصار على هذا العدوان على البشرية بأدوات جديدة وتدابير عقلية إنسانية وأهمها “التسامح” والذي يعتبر نوع من أنواع المقاومة الفعالة لبشاعة هذا العالم. علينا أن نفهم أن التسامح والصفح هو فعل منقذ للإنسان من نشاط أفعاله وأنه يفتح له أفق وسبل جديدة للمستقبل وللتحرر من تبعات أفعاله والتخلص من ثقلها على كتفيه. الشر هو فعل إنساني ولا يخرج عن العالم الإنساني فهو يصدر عن الإنسان ويقع على الإنسان وهو بكل تمظهراته فعل وقرار بشري والقضاء عليه هو أيضاً بفعل وقرار إنساني. جنوب افريقيا لم تخرج من دائرة العنف والصراعات الأهلية إلا بفضل سياسة التسامح والغفران التي انتهجها “مانديلا”. التسامح هو مهارة و وسيلة للحفاظ على ما لدينا من إنسانية وصحة عقل. الخريطة التي ترسم لنا مستقبل واضح وغير مشوش هي مفتاح في صناعة فن حقيقي ومفتاح العثور على أي مظهر من مظاهر السعادة التي نبحث عنها. على سبيل المثال، حتى لو كنت ممسكاً بالريشة أو الآلة الموسيقية أو القلم لن يخرج من داخلك فن راقي ونقي وأنت بداخلك مليء بالكره والغضب أو التفكير بالإنتقام. التسامح هو إعادة تخيل وتصور وإعادة افتراض لأنفسنا تحت ضوء الرشد العقلي وإعادة تصور الماضي تحت هويتنا الجديدة؛ هي هوية المتسامح.

التسامح قد يعرضنا للخطر أحياناً لكن هذه المخاطرة من أجل الحصول على صورة أكبر وأفق أوسع لتجسيد خارجي قوي ومليء بمزايانا الإنسانية الداخلية. التسامح تصعد به إلى طور أعلى و مستوى أعلى، ترى من هناك طرق جديدة لحياة جديدة وبوضوح أكثر وانفتاح على فرص جديدة و تدفق للحياة.

 

جمانة العويسات

0 100