حدث ذات مرة

حدث ذات مرة

إنها السابعة والنصف، أنظر إلى عقارب الساعة  تتحرك كما يتحرك الحلزون على أرض إسفلتية مليئة بالمسامات. أنتظر بفارغ الصبر ماذا سيحدث، لا أرى من حدود رؤية عيني غير السواد المحيط بساعة الحائط، أحسست أنها تنظر إلي وترمقني بنظرة أنها لن تسمح لعقاربها بأن تصل إلى الثامنة. لقد تعبت جدا، خارت قواي ولم أعد أتحمل،  لكنني إذا استسلمت سأخسر كل ما أردت الفوز به.

في السابع من تشرين الثاني في عام 1966 ذهبت إلى صديقي أبو خالد لتناول العشاء في بيته. جلسنا وتحدثنا عن أمور الحياة فسألني بكل شغف، هل تريد إكمال ذلك التمثال الذي أريتني إياه؟ شعرت بغصة في قلبي، قلت له أنني تأخرت على فتح باب متجري، وأسرعت أخرج من بيته وأنا أشكره على الطعام.

قمت بفتح باب متجري وبدأت أزيح الغبار عن التحف التي أصنعها تقريبا يوميا، لكن ليس هنالك من يشتري مني غالبا، لكنني أواكب على فتح أبواب محلي دائما، في زاوية مخزني هنالك ذلك التمثال الذي بدأت بالعمل عليه من خمس سنوات، في الحقيقة أملك الكثير منه. كلما أبدأ بصنعه، أنتهي بوجه فتاة عابسة حزينة، كنت أرى الدموع في عينيها لكنني كنت دائما ما أقوم بإزالته والبدء بصنع واحد جديد، إنه يذكرني بشيء في داخلي لا أريد أن أتذكره.

خسرت ماريا، الفتاة الوحيدة التي أحببتها وسأبقى دائما أحبها، عندما كنت شابا رأيت ماريا تبتاع الخضار في أحد الأسواق، كانت جميلة جدا، تنظر إلى الخس كأنها تغازله، عيناها أجمل من لوحة تشارك في صنعها بيكاسو ودافنشي، إكتشفت أنها تقوم بتدريس الأطفال على القراءة والكتابة، فقمت بأخذ أخي الصغير لكي يتعلم عندها، وبذالك كنت أراها تقريبا كل يوم.

كنت أرسل الرسائل لها دائما مع أخي، نتبادل الحديث على باب بيتها ونتشارك الضحكات. وفي يوم ما قلت لها أنني أحبها، لكنني كنت أعرف أنها ستكون خطوة كبيرة عندما سأقول لها أنني أريد الزواج بها، لأننا نتبع دينين مختلفين. كنت دائما أتجنب التفكير بهذا الموضوع، فلقد كنت أعرف أنني سأواجه الكثير من العقبات، لكنني لم أهتم، قالت لي أنها تريد الهروب معي، لكنني كنت خائفا جدا، لم أستطع البوح بخوفي أمامها، لكنني وافقت لأنني لا أريد أن أخسرها، ففي التاسع عشر من أيلول في عام 1968 في تمام الساعة الخامسة فجرا قمنا بالهروب من القرية إلى الجبال لكي نعبر إلى أبعد مكان يمكننا الوصول إليه.

تزوجنا ونحن في الطريق، فقد كان هنالك بعض من البدو الذين يعيشون في الصحراء الذين قاموا بالترتيب للعرس. كان يوما جميلا جدا لن أنساه ما حييت. بعد ثلاثة أيام قمنا بإكمال طريقنا إلى ما لا نعرف، سنبني بيتا، ونقضي فيه ما تبقى لنا من حياة. وصلنا إلى مكان لا يوجد فيه إلا بيتين لعائلة واحدة، فلقد لاحظونا نمشي منهكين فعرضوا علينا أن نشاركهم الطعام، وبعد أن تعرفنا عليهم وحكينا لهم قصتنا، عرضو علينا المكوث معهم في مكانهم إلى أن نجد مكانا نستطيع العيش به، لا بل عرضو علينا بناء بيت بجانبهم، فقد كانوا لطفاء.

بدأت أخرج مع صالح وهو صاحب الأرض لكي نعمل في مدينة كانت أقرب مدينة لبيته مع أننا نقضي أربع ساعات للوصول إليها. كنا نجمع الخشب ونقوم بتقطيعه لكي نبيعه. وبعد مرور أربع أشهر قرر صالح أننا يجب علينا الذهاب إلى مدينة كانت تبعد عنا مسافة يومين، لكي نشتري الجلد من هناك ونبيعه في المدينة التي تجاورنا، كان يودع عائلته وأنا فعلت المثل، وفي الصباح بدأنا في التحرك. كانت الطريق طويلة فلقد مكثنا الليل في الصحراء فقمنا بإشعال النار وتناولنا الطعام ونمنا لكي نبدأ بالتحرك عند شروق الشمس. كل ما أتذكره من هذه الرحلة أننا تعبنا كثيرا، لكننا جنينا كثيرا من المال، فقلد كنا فرحين بما صنعنا. 

في طريق العودة، رأينا دخانا في السماء يأتي من بيت صالح. خفت كثيرا رميت كل ما أحمل وبدأت في الركض وكنت أنادي بأعلى صوتي( ماريا….. مارياااا)… كانت النار مشتعلة، وكان هناك  أثار أقدام كثيرة، دماء على الأرض كنت أبكي وأحاول إطفاء النار، كنت أشم رائحة شيئ كلحم يطبخ. كان صالح يجلب الماء من البئر ويرميه على النار التي تفتح فمها وتطلب المزيد، لم يقل أي شيء ولم تدمع حتى عيناه!

بعد محاربة الناس لمدة ساعة كاملة، إستطعنا أن ندخل إلى البيت، وياليتني لم أدخل… زوجة صالح وماريا مقيدتين على كرسي محترقتان تماما. حلقي كان ينبض بسرعة كبيرة. صالح جلس واضعا يديه على رأسه مغمضا عينيه، وأنا أبكي كطفل لم تمر دقيقتين على ولادته. بعد مرور ساعة من البكاء إلتفت إلي صالح بوجه غاضب وقال لي: أخرج من منزلي، ألا يكفيك ما فعلت؟ كنت أعرف أن قدومك سيسبب المشاكل لكنني لم أكن أتخيل أن تكون هكذا.

ذرفت الدموع وقمت بتغطية جثة ماريا وحملتها لكي أدفنها. أحملها وأبكي لدرجة أن كمية بكائي كانت كافية لتطفئ النار التي التهمت البيت بما فيه. قمت بدفنها بجانب بحيرة كانت جميلة، لكنها لم تكن كذلك عندما كنت أقوم بتوديعها! كنت غاضبا جدا لأنني كنت أعرف من فعل هذا، لكنني لا أستطيع عمل أي شيء، كنت غاضب من نفسي.بدأت أغوص في أفكاري وأتخيل لو لم أذهب مع صالح في ذلك اليوم؟! لكن ماذا كان بمقدوري أن أفعل؟ كنت أتخيل الخوف الذي كانت تعيش فيه ماريا عندما حصل ذلك، لكن ماذا عن صالح، ماذا حصل له؟ أين هو؟

بدأت العيش في مدينة قريبة على قبر ماريا، لكي أستطيع زيارتها دائما. بدأت البحث عن عمل، قضيت قرابة الشهر أبحث عن أي نوع من العمل. قابلت رجلا في القهوة كان يعمل كنحات، فعرض علي أن أعمل له مقابل أجر زهيد فقبلت دون تفكير. بدأت أتعلم هذه الحرفة التي كانت تبدو مستحيلة في البداية، لكن صاحب المتجر كان صبورا، وكان دائما يقول لي: عقلك كاللوح، فقم بكتابة ما أردت.

توفي هذا الرجل بعد سنتين من عملي لديه، لكنني لم أتوقف عن العمل، فقد كنت أشعر أنني أدين له كثيرا. بدأت أصنع التحف وأعرضها للبيع يوميا، أشارك في الأسواق، التجمعات، وما إلى ذلك. كنت أعود إلى غرفتي التي استأجرتها من سيدة كبيرة في العمر. كانت تريد من يسليها بعد خسارتها لإبنها في الحرب، فقد كانت تقول أنني كنت أشبهه. كنت أضع الصلصال على الطاولة وأبدأ في صنع التحف مثل الصحون والأكواب وما إلى ذلك. لكن كلما أردت أن أصنع تمثالا لإنسان أو وجه شخص ما، أنتهي بشكل فتاة حزينة تذرف الدموع، حتى إن أردت أن أجعلها تبتسم، لازلت أرى الدموع في عينيها، كنت أعرف أنها ماريا، لكنني لم أسمح لنفسي بأن أشعر بالحزن وأبدأ في البكاء فقد كنت أتوقف عن النحت عندما أرى هذه الدموع وأبدأ في عمل شيء آخر. إستطعت الصمود، كان بالإمكان أن تتوقف الحياة في تلك اللحظة، لحظة دفني لماريا، لكنها لم تكن لتكون سعيدة. فلقد بدأت أبحث عن فرصة لكي أبدأ حياة جديدة تمكنني من إعادة بناء ما هدم، لم أتوقف ولم أفكر بالإنتقام. فلقد كنت أعرف أن اختلافي عنهم كان سببا لخسارتي لماريا. لكنه لم يكن خطأي، لا بل لم يكن خطأ أحد، إنه فقط اختلافا في التفكير وفي فهم الأشياء. كان في مقدوري أن أعدل عن هذه الحياة وأبقى متشردا حاملا ذكرى زوجتي التي أحبها ولا أفعل شيء أخر غير سرد قصتي على الناس وبذلك سوف يقولون أنني مجنون، بل كان  بإمكاني أن أذهب لبلدتي وأقوم بالإنتقام لماريا. أظن أنه كان بإمكاني فعل الكثير من الأشياء التي من الممكن أن تكون مضرة لنفسي ولمن حولي من الناس. ولكنني لن أفعل ذلك، فكنت أعرف أنني لن أكون راضي عن نفسي، ولا ماريا كذلك.

في يوم حار جدا، دخل علي رجل ذو لحية طويلة يحمل الجلود على كتفه. نظر إلي وقال: لم أكن أتخيل أنك ستعمل في هكذا حرفة! ، فضحكت وقلت: ولا أنا أيضا، عندما إبتسم عرفت أنه صالح، فقد كان صالح يملك هذا السن الذهبي بين أسنانه، تعانقنا، كان عناق طويلا. قمت بإغلاق المتجر وذهبنا أنا وصالح إلى بيتي لتناول العشاء، قمت بصنع الشاي وبدأنا نتبادل أطراف الحديث، فحكى لي ماحصل بعد أن تركته في ذلك اليوم المشؤوم. أعاد ترميم بيته، لكنه لم يتسطع ترميم حياته فقد قضى سنتين دون أن يعمل ودون أن يرى أحدا، كان منعزلا، ثم سألني عن ما فعلت بعدما رحلت من بيته. قضينا تلك الليلة نحكي لبعضنا البعض عن هذه الفترة وكم كانت صعبة، عن نفسي لم أتذكر كيف أنهينا حديثنا، لكنني ضعت في أحلامي. لكن هذه المرة ضعت كأنني كنت أنتظر هذا اللقاء من وقت طويل. إستيقظت في الصباح فوجدت أن صالح قد غادر! ذهبت لأفتح المتجر وسألت نفسي إن كان ما حصل البارحة حلم أم حقيقة، لكن في وقت الغروب أتى صالح مرة أخرى، ففرحت، ذهبنا إلى البيت. حينها عرضت عليه البقاء معي ومشاركتي السكن، فوافق لكن بعدما كررت طلبي أكثر من مرة. في يوم الجمعة من كل أسبوع، كنت دائما أقوم بتنظيف المنزل كعادتي، كان صالح نائما فكنت حذرا لكي لا أيقظه. قمت بحمل حقيبة ملابسه لكي أقوم بغسلها، وإذا بسلاح أذكر أن شكله مثل الأسلحة الروسية التي تطلق عددا كبيرا من الطلقات السريعة. وعلى أثر صوت سقوط السلاح إستيقظ صالح! عندما رأني أحمل السلاح، غضب جدا، أخذ مني السلاح ولم يتكلم معي أبدا، وأسرع خارجا، وفي المساء عاد لكنه لم يتكلم معي. أحضرت السيدة التي نسكن عندها العشاء كعادتها يوم الجمعة، بدأنا بتناول الطعام، فسألت صالح: لماذا تملك هذا السلاح يا صالح؟ ماذا تريد أن تفعل؟ فنظر إلي وقال أنه سيبيعه فقط! فقلت له: أنا لا أصدقك يا صالح، لم تعتد الكذب يا صديقي! إحمر وجهه وصرخ بأعلى صوته: لم يمضي يوم واحد دون أن أفكر في زوجتي، لم أنم الليل وأنا أفكر بالإنتقام. إن كنت ضعيفا لا تريد الإنتقام لزوجتك التي لطالما قلت أنك تحبها ولا تستطيع العيش من دونها، فأبقى هنا وانحت ما تريد، لكن أنا لا، أنا لست بضعيف.

لم أستطع الرد عليه، فأكمل ب: لقد قضيت أربع سنوات أجمع بتكلفة هذا السلاح، وأنا الأن أبحث عنهم ولقد قدمت إليك لكي تخبرني أين يقطنون هؤلاء الجنباء. لكنك قلت لي أين يقطنون دون أن تعلم في تلك الليلة التي تبادلنا الحديث فيها عندما قدمت لأول مرة لأراك. لم أستطع تحريك شفاهي أبدا! لم أصدق ما يقول، ماذا يحصل؟ ثم أكمل ب: اليوم سأنتقم لزوجتي وزوجتك، حتى وإن لم تأتي معي.

وقفت أمام وجهه وقلت له بأعلى صوتي: ماريا كانت تمثل كل شيء في حياتي، سأضحي بحياتي لأجلها. عندما أخترنا أن نهرب مع بعضنا البعض. كنت واثقا جدا أنها هي التي تستحق أن أضحي بكل شيء من أجلها. عندما رأيتها تحترق، كانت كل حياتي تحترق أمامي، كل أمل، كل فرصة وكل حرف من الكلمة… كانت تحترق. النار لم تلتهم ماريا فقط، بل إلتهمت كل معنى لحياتي وكل سبب يجعلني أكمل حياتي البائسة، لكنني على قيد الحياة إلى الأن أتعرف لماذا؟ لأنني أخترت ذلك، ليس لأني أردت الهرب من أي شيء أو فقط لأنني أناني أريد أن أكمل حياتي كأن شيء لم يحصل! لا بل لأنه ليس من المنطق أن تكمل دائرة القتل التي بدءو بها! سنبقى نقتل بعضنا البعض إلا ما لا نهاية، لن تكون ماريا سعيدة إذا حصل هذا، ولا زوجتك أيضا… إذهب لفعل ما تريد، لكنك تفعل الفعل الخطأ يا صديقي. أقسم لك أنك لا تريد هذا، أقسم لك.

خرج وهو يقول لي: إن لم أعد في حلول الثامنة فأعرف أنني إنتقمت لزوجتينا ومت وأنا أفعل ذلك! فأزحت نظري عنه ولم أرد عليه. لم أستطع الجلوس، لبثت أتحرك في الغرفة ذهابا وإيابا، أنظر إلى الساعة تتحرك ببطء. الساعة الآن السابعة وخمسة وثلاثون دقيقة، سمعت صوت أحد يقترب من البيت. أحسست بشعور غريب كأن الموت قادم، لكنني لم أهتم فقد كنت جاهزا لهذه اللحظة. أرى أن هنالك أحدا يحاول فتح الباب، تحركت ببطئ شديد لكي أفتح الباب، لمست مقبض الباب وكأني أعرف أنها ستكون أخر مرة أتحسس فيها مقبض الباب في يدي… فتحت الباب ورأيت صالح يقف أمامي، نظر في عيني كأنه ينظر في داخلي، وقال لي: أظن أنني أريد النوم ونسيان ما كنت سأفعل، ضممته بقوة، وقلت له: من الممكن أن نسعد من فقدناه، دون أن نحزن أحدا آخر يا أخي.

ومن ذلك اليوم وأنا وصالح نعمل مع بعضنا البعض، أصبح بمثابة أخ لي. لا بل أكثر. من الممكن أن بعض المواقف التي تحدث في حياتنا، تغير توجهاتنا وأفعالن. وأيضا تحديد مصيرنا، لكننا نملك عقلا نفكر به، عقل يستطيع الاستسلام وتدمير ما تملك، وعقل يمكنه تصويب كل شيء وتصليح ما دمر. أنت الوحيد الذي يستطيع تحديد الطريقة التي تريد إستعمال عقلك فيها. أنت الكاتب لمصيرك ومستقبلك، فلا تقلق.

 

محمد السراديح

0 1481

Related Posts

No posts were found for display