موسيقى… فَسلام…

موسيقى… فَسلام…

يقولُ ابنُ خلدون: “هذه الصِّناعةُ (الغناء و الموسيقى) آخِرُ ما يحصُلُ في العُمرانِ من الصّنائع، وهي أوَّلُ ما ينقطِعُ من العُمرانِ عند اختلالِهِ وتَراجُعِه”.

وُجِدنا نحنُ بنو البَشَرِ على هذه المعمورةِ قبلَ مئاتِ آلافٍ من السِّنين، سبقها جُملةُ نشءٍ من أجرامٍ وعوالِمَ علمنا بها، وأخرى لم تطأ عقولنا أعتابها بعد، لكنَّ الإنسانَ هو الجزءُ المُدرِكُ الذي مُنِحَ قدرًا من الحِكمةِ ميّزَهُ عن غيرِهِ من الخلائق. ذلِكَ الإيقاعُ الكونيُّ العظيم، ذا التَّناغُمِ الأزليّ، يَسكُنُ كلَّ شيءٍ ولولاهُ لما كانَ أيُّ شيء، هوَ في نَبضِ الجنينِ يَمُدُّهُ بالحياةِ قَبلَ أن يَنعَمَ بِنورِ الشّمسِ وليدًا. هذا الإيقاعُ يضبُطُ سَيرَ الآلةِ الزَّمنيّة، هو الأصلُ وكذا الفَصل، ومُنذُ النّشأةِ لم يُدرِك الإنسانُ أنَّ تلكَ الآلةُ الذّهبيّةُ التي يَزفِرُ (الزّفيرُ من الفم؛ فالإنسان يَزفِرُ من فمِه) بِها، ستكونُ مفتاحًا لعالمٍ جديد.

كَيفَ لي أن أتحدَّثّ عن الموسيقى دون أن آتيكُم بِقَبَسٍ مِمّا يَفيضُ بِهِ علينا (إلى يومِنا هذا) عَقلُ مؤَسِّسِ عِلمِ الإجتماع عبدُالرَّحمنِ بِن مُحَمَّدٍ إبنِ خَلدون. لَعَلّيَ أجرؤُ على القولِ بأنَّ أضخَمَ إنجازاتِهِ قد نظَمَها في كتابِهِ الشّهير (العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السُّلطانِ الأكبر). عنوانٌ طويل؟! بلا شكّ؛ فَفيهِ نَبَتَت دِراسَةٌ مُتقنَةٌ لأحوال المجتمع العربيّ كخُصوصٍ والمجتمَعِ المُحيط كَعمومٍ في تلك الفترة، بَحثٌ مُفَصّل. أكادُ أجزِمُ أنّهُ تَناوَلَ كلَّ المناحي والجوانب التي تتعلَّقُ بالمُجتَمع، عوامِلُ نشوء المجتمع ونهضته وسقوطِهِ أيضًا. الكثيرُ الذي إن أردتُّ الحديثَ عنه؛ فَلَن تَفي بذلك كلماتي، وإنّما الآنَ ما أكتُبُهُ يَصحَبُنا في جولَةٍ سريعَةَ الخَطوِ إلى الفَصلِ الثّاني والثّلاثين من كِتابِهِ الذي ذكرت، صِناعَةُ الغناء. فَصلٌ يطرَحُ فيهِ ابن خَلدونٍ شَرحًا عنِ الغناءِ والموسيقى يبدو قَصيرًا في مَظهَرِهِ ولكنّهُ غَزيرٌ في محضَرِه، سأنهَلُ مِنهُ كَمًّا قَليلًا، فَيُعَرِّفُ الغناءَ قائلًا:

“هذه الصِّناعَةُ هي تلحينُ الأشعارِ الموزونةِ بتقطيعِ الأصواتِ على نِسَبٍ مُنتَظَمَةٍ معروفَةٍ يوقعُ على كُلِّ صوتٍ منها توقيعًا عند قطعِهِ فيكونُ نغمة”

إذن فالغِناءُ يتكوَّنُ من عُنصُرينِ رئيسَين هُما الكَلِمَةُ و اللّحن، ويَضبُطُ كُلًّا مِنهُما الإيقاعُ والتّناغُم؛ فيكونُ غِناءًا ولكن، هل كُلُّ لحنٍ يَطرَبُ لَهُ المَسمَع؟ وهل كلُّ كَلِمَةٍ تُغنّى من ورائِها قصدٌ هادِف؟

الموسيقى، وهي المُصطَلَحُ الأشملُ لِفنِّ النَّغَم، تُعتَبَرُ أداةً فعَّالةً وقويّةً لمشاركَةِ المشاعِرِ، ومُتَنفَّسًا رَحبًا لِتفريغِ الطاقات السَّلبيَة سواء كُنتَ سامِعًا لها أو مُسمِعًا بِها. لكنَّ الذي يَغيبُ عن أذهانِنا هي الرّسائِلُ التي يُمكِنُ أن تَحمِلَها هذه الأداة نظرًا لانتشارِ الموسيقى وتطوُّرِها عبرَ التّاريخ. إنّنا نَلحَظُ تأثيرها البالغَ الذي يكونُ لهُ دورٌ كبيرٌ في تكوينِ البُنيَةِ الإنسانيّةِ للأفراد، كيفَ لا والتّاريخُ يَقِفُ مَوقِفَ الشّاهِدِ على هذا؟ الفُنونُ بِتَعَدُّدِ أنواعِها وأساليبِها وفَّرَت مساحةً خصبَةً تضَمَنُ تشارُكيَّةً في الأفكارِ تَستَمِرُّ باستِمرارِها، ويكونُ بذلِكَ نَتاجُها واضِحًا للعيانِ على عِدّةِ أوجُه. فنُّ الموسيقى على وجهِ الخُصوصِ هوَ وليدٌ لِتفاعُلِ الإنسانِ مع الطّبيعةِ من حولِه؛ فاستخدمها بدايةً وسيلةً للتَواصُلِ معَ أقرانِهِ، ووظّفَها في الحروبِ لِترفَعَ من عزائِمِ الجُندِ وتُجَيِّشَهُم (الموسيقى الحربيّة)، ولَطالما كانت جليسَةً لَهُ في سَحَرِهِ وسَمَرِه، في أفراحِهِ وأتراحِه، وحتّى أثناءَ تِجوالِه كَوسيلَةِ تَسويقٍ لِسِلَعِه وَمُنتَجاتِه. وبذلكَ ساهَمَت في خَلقِ هويّةٍ لِشعوبٍ شتّى، وهَذّبت أقوامًا مُنذُ أن عَرِفوها ونشأوا على أنغامِها.

 “الموسيقى غذاءُ الرُّوح” هذا ما قالَهُ الكاتِبُ والمسرحيُّ الإنجليزيّ (وليم شكسبير)، وأُكَرِّرُهُ ألفَ مرَّة؛ فهي تُهَذِّبُ النَّفسَ البشريّة، وتَعدُلُ قوامَها، ولَحنٌ عذبٌ واحِدٌ من ألحانِها يكفي لأن يزرَعَ الرّاحةَ في النُّفوس، ويُترِعَ إكسيرَ الحياةِ في الكؤوس. واستقبالُ الإنسانِ لها فِطريٌّ بحت؛ فيُعَزِّزُ إنسانِيّتَه، وهذا يستوجِبُ علينا العودةَ قليلًا لابنِ خلدونٍ الذي قالَ في هذا المقام: “يلهَجُ كلُّ إنسانٍ بالحُسنِ في المرئيِّ والمسموعِ بمُقتضى الفِطرة، والحُسنُ في المَسموعِ أن تكونَ الأصواتُ مُتناسِبةً لا مُتنافِرة”. هذا الإطراءُ كُلُّهُ فقط لِماحسِنِ اللّحن؛ فماذا لو أنّنا اعتنينا بِما يُغنّى من الكلام؟ وزَرَعنا من خِلالِهِ القِيَمَ بينَ الأنام؟ لَصارَ مزيجًا فريدًا يُفضي بِنا إلى عالَمٍ مليءٍ بالمَحَبَّةِ والسَّلام.

بعدَ هذا كُلِّه، سيأخذُنا المقالُ إلى بُعدٍ آخر، بُعدٍ يرتَبِطُ ارتباطًا وثيقًا بما سَبَقَ من الحديث… عالَمُنا اليوم، أينَ هوَ من كلِّ هذا؟ هل نُحسِنُ التَّصَرُّفَ في استِخدامِ الموسيقى؟ كيفَ لنا أن نُوظِّفَها في تربيةِ نشءٍ جديدٍ مُفعَمٍ بالحُبِّ والإنسانيّة؟

تَمشي في الشّوارِعِ والطُّرُقاتِ فَيَقتَحِمُ مَسمَعَكَ أحيانًا لَحنٌ صاخِبٌ مُضطَّرِبٌ كَموجٍ هائج، وَقد أُلصِقَت بِهِ عِباراتٌ تَكادُ لا تَفقَهُ مِنها شيئًا. لو لم تَستَطِع الهَرَبَ من ضوضائِها وأنصَتَّ لَها؛ فما هيَ إلّا هَرطَقاتٌ وُضِعَت ظَنًّا من صانِعِها أنّها تُكمِلُ عَمَلَهُ على أتَمِّ وجه. هذا ما يَجعَلُني أستَقرِأُ لَكُم باختِصارٍ المَراحِلَ التي مرَّت بِها موسيقانا، وأتَذَكَّرُ كم كانَت راقيَة، بل رُبَّما لا تَشوبُها شائِبة. بِنَظريَ لَسنا نَفتَقِرُ لِخاماتٍ صوتيّة، ولا إلى صانِعي نَغَمٍ مُتقِنين، بل إنَّني أرى أنَّ المُستَمِعَ هو أساسُ انحِطاطِ الذَّوقِ الموسيقيّ الذي وَصَلنا له. قد أبدو حازِمًا في هذا المقامِ وهذا واجِبي، فإن رأى صُنّاعُ النَّغَمِ والمُغَنُّونَ هذهِ السّذاجَةَ لدى المُستَمعينَ وسوءَ انتقائِهم لما يَسمَعونَ؛ سوفَ يتَهاوَنُ كلُّ من يُنتِجُ لحنًا ويُغَنّي شِعرًا بِمُخرجاتِه، إرضاءً للذّوقِ العامِّ وتحقيقًا لِمصالِحِهمُ الشّخصِيَّة. وهذا يَضرِبُ الذّوقَ بِعرضِ الحائط، وحتّى أكونَ مُنصِفًا رَحيمًا بالطَّرَفَينِ، فإنّي أيضًا أُلقي كبيرَ اللّومِ على الطَّرَفِ الثّاني، فَلَو كانَ الوَعيُ صحيحًا بِقيمةِ الموسيقى وقَدرِها لدى صُنَّاعِها، لَما تَهاوَنَوا بِصناعَتِها، ولا قَدَّموا مَصالِحَهُم مهما كانت على مَصلَحَةِ المُجتَمَع وَنَهضَتِه. بذلِكَ وَجَبَ على الصّانِعِ أن يَضَعَ النَّهضَةَ نُصبَ عَينيهِ لا يَحيدُ عن سِواها أبدا، وَوَجَبَ على المُستَمِعِ الاهتمامُ بالمَضمونِ باحِثًا عن الرِّسالَةِ الحقيقيَّة، وهذا يَتَطَلَّبُ نَشرَ الوعيِ اللّازِمِ بذلِك.

يَمُرُّ الفردُ بعدَّةِ مراحِل في حياتِه، وكُلُّ مرحلةٍ تُوازيها بيئةٌ حاضنةٌ لها شأنٌ كبيرٌ في بناء شخصيّتِهِ وصقلِها، ابتداء من صِغَرِهِ بين أحضانِ عائِلَتِهِ وحتّى هَرَمِه. مُدخَلاتُ هذهِ البيئةِ ومُعطياتُها هِيَ التي تُحَدِّدُ مسارَ الحياةِ لِكلٍّ منّا. من الطّبيعيّ أنَّ ما نَرنو إليهِ هوَ التَّنشِأَةُ السَّليمةُ التي تَجبِلُ الإنسانَ بِكُلِّ ما هو حَسَن، وتَزرَعُ المَحبَّةَ في قلبِه، وكذا الوعيَ في عقلِه، وَتجعَلُ الذّوقَ عندهُ رَفيعًا، وَتخلُقُ بينَهُ وبَينَ كُلِّ الشُرورِ سَدًّا مَنيعا. هذا كُلُّهُ يا مَعشَرَ القُرَّاءِ يأتي بِتطبيقِ نَهجٍ قويم، تَكونُ فيهِ التّربيَةُ الفَنِّيَّةُ والموسيقيَّةُ وُجوبًا، فَيا لَيتَ بُيوتَنا يومًا لا تَخلو مِنها، أو مدارِسَنا وكُلَّ صُروحِ العِلمِ لا تَستغني عنها أو تَستَهينَ بِها. على كُلِّ من يَعي ذلِكَ أن لا يَتعاجَزَ عن نَشرِ هذه الثَّقافَةَ مهما كَلَّفَهُ مِن عَناء؛ فأرى الموسيقى ضَرورةً إنسانيّة، ولَطالما كانت كذلِك. كَم أتمنَّى أن تُفرَضَ في مساقاتِ المناهِجِ الدِّراسِيَّة من كُلِّ مرحلةٍ يومًا ما، وأن يَزيدَ وَعيُ المُجتَمَعِ بها وبأهمِّيَّتِها. رُبَّما يبدو لَكُم أمرًا صَعبَ المَنال، لكنَّ تَكاتُفَنا وتَماسُكَنا فيهِ قُوُّةٌ تَبني جِبال، هيَ مسؤوليَّةٌ تَقَعُ على عاتِقِنا جميعا، ومَن قالَ أنَّ لا قُدرةَ لنا على ذلك؟ عَلَينا توحيدُ الرُّؤية، وَدَمجُ القُوى؛ فَلِكُلٍّ مِنَّا طاقاتُهُ وقُدراتُه التي ما إن وَظَّفَناها من أجلِ هَدَفٍ سامي، كانت لنا سبيلًا مُثمِرًا لِمُبتغًا لَطالَما حَلُمنا بِه… مُجتَمَعٌ ناهِضٌ يَنعَمُ بِالسَّلام.

لطيف التميمي

 

 

­­­­­­­

2 233