مين بعمل أحسن شاورما؟

مين بعمل أحسن شاورما؟

هل فكرت يوماً بوجود عالمٍ من اختيارك، عالمٌ تحدده أنت. عالم يستجيب لكل رغبة وحلم راودوك ولكل رأي اتخذته. عالمٌ من الخيارات التي كلها مناسبة؛ حيث تكون أكبر مشكلة في معظم الأمر اختيار الأفضل من الأفضل، والذي ان أسيء الإختيار لن يؤثر بشيء. عالم منسجم ومستقر، لا خلاف ولا نزاع فيه. عالم أنت فيه المركز  وما تحبه وتختاره هو المكوّن له. حيث حينما التفتّ تجد ما تريد؛ لأنك قادر.

ربما هو من ضرب الخيال، وربما هي حقيقة نعيشها.

اذاً ماذا لو؟

شاورما شاورما شاورما شاورما  

قد ولد فادي لزوجين اثنين من جيل الألفية، حيث أن سهولة الحياة ووفرة الخيارات كانتا النهج الطاغي لحياتهما الشابة. فبذلك ولد في عائلة افتقرت الى أسس المسؤولية الّتي تربى عليها معظم-ان لم يكن كل- أفراد الأجيال السابقة. وكأي انسان، فقد تكيّفا بوضعهما. وبمرور الزمن، كبر فادي وفُطم عن حليب أمه وأتت الحاجة إلى ادخال طعام المائدة الى حميته. والدته -منى- التي لم تطهو في حياتها قط، ولحاجة موقفها بدأت بتعلم الطهي، حيث أن أول أطباقها التي بائت بالنجاح -برأيها ان سألتموني- هي البامية يليها الفول الأخضر باللبن واكتفت بهما.

كطفل صغير يعيش في عائلة طبيعة طعامها اما الطبقيين السابقيين أو تناول الطعام في الخارج فقد تعرض بصغر عمره الى الشاورما، بافراط. لقد اختبر بشكل شخصي ومباشر الفرحة واللذة من خلال صنف واحد من الطعام. فكما ترون، الأطفال في هذا العمر شديدي العفوية، غير مبالين و صاخبين في تعبيراتهم التي تكاد لا تخلو من العاطفة.  فقد كان من السهل معرفة مصدر سعادته، فاستخدمت الشاورما لاسكاته، وارضائه، ومكافأته وحتى تدليله.

ومع مرور الوقت ونضجه، تعرض فادي الى كل نكهة ونوع من الشاورما باعتبارها مصدر أساسي للسعادة؛ هذا بدوره سمح ببناء خبرة نفَاذة وعلاقة قوية أدت الى تعزيز دور الشاورما في حياته لتصبح المصدر الوحيد للسعادة والراحة. وباستمرار نموه وتمكين فرديته واستقلاليته كان خياره الاستمرار باختيار الشاورما دون ما حولها من الطعام. كل يومٍ كان مختلفٌ عن الذي يليه؛ مطاعم مختلفة بوصفات وانواع عديدة، حتى انه ابتكر وصفاته الخاصة! فهو من ضرب الجنون تناول نفس الوجبة يوميا!…

من ناحية أخرى، اقترنت الأطباق الأخرى بانعدامية الجودة والأهمية. فقد كانت خيارته المحددة قد سمحت له بالإبحار والتعمق بطبق واحد. الآن هو ‘خبير’ بكل ما يتعلق بالشاورما ولا شيء آخر. فقد رفض وساغ عدة من الأعذار للابتعاد عن تجربة أي طبق آخر. وإن -لا سمح الله- قام ولو لوهلة بتجربة شيء آخر، تلاعبت الأفكار النمطية بحواسه معلنة نصرها بوصم كل ما هو جديد بالسيء.

إنه ليس بهوس- ليس له عالأقل، هذا هو نمط حياته. انه لمن المنطق أن يقوم بفعل ما يريد و بتجنب ما لا يريده. ألا ينبغي أن تكون الحياة بهذه السهولة؟ الجواب نعم… ولا معاً. فقرراته صحيحة وشخصية، أليس ذلك المغزى من وجود الفردية؟ فقد عزل فادي نفسه -بطريقة مباشرة وغير مباشرة- لحقيقة واحدة، و هذا برأيي لا يناسب الحياة العملية. في الحياة والحقيقة مفاهيم واسعة ومعقدة، ولفهمها أو عيشها نحتاج إلى التعرض لما تفرضه من خيارات وتشعبات. ربما يبدو ذلك ساذجاً وبعيداً عن الواقع، إذ كم منا يستطيع العيش بعنصر واحد؟ لا أحد يجرؤ على تذوق طعم واحد..؟ الإنسان ينمو بالتحديات والتجارب الجديدة، وكما يقال “الروتين قاتل”. 

 

لكن هل نطوف نحن في بحر الحريات والإختيار؟ أم أن لكل منا ‘شاورما’ تقوده باتجاه معزول؟

في العالم و بكل ارجاءه، يعيش المعظم بهذا النمط أياً كانت الأفكار أو الأيدولوجيات أو حتى الإهتمامات المسيرة له. الأغلب ينمو في بيئه يحدد فيها الماضي الحاضر والمستقبل. نحن نولد بقوالب فكرية وعقلية تقود بنا الى الأمام المحدود. هو مسار عقلي ذي مرجعية تاريخية يبني الفكر ولكنه محصور بسياق واحد. نحن نملك الخيار، لكن عند اتخاذه نعتمد على مرجعية محدودة. هل يأتي ذلك نتيجة للخوف والتردد من الإنفتاح؟! لماذا ننظر إلى الخارج ونحن مكتفين بحقيقتنا؟ وفكر الانسان هو منظورٌ للحقيقة والراحة.

 

أين نحن؟

مع حركة العولمة ودور الإنترنت في بناء المجتمع، تتعرض الأجيال الشابة لأكثر من حقيقة بشكل يومي. مجرد وجود خلفية ثقافية أو مجتمعية تعود إليها لا يعني بالضرورة استمرارك بالتوجه بمسارها. دور منصات التواصل الاجتماعية بالأخص جاء لتعزيز الفردية الشخصية وتوكيد مفهوم حرية الإختيار داعمة بذلك نمو الأفراد. أنشأت بيئة تعنى بتوفير ودعم أياً كان للوصول إلى ما يطمح إليه، سواء أكانت لمعرفة أو لحرية التعبير عن النفس أو حتّى لإهتمام عابر. كل هذا يتم من خلال جيش من عباقرة التكنولوجيا والكثير من الابتكارات التقنية والتصميمات الخلّاقة في مجالات البرمجة واختراع الخوارزميات الَلازمة للتطور. لكن، نحن لسنا في المدينة الفاضلة، ولا أظن أنه من الممكن الوصول لتلك المرحلة. حيــــــــــث أن تلك الخوارزميات وإن صنعت من اجلك تقوم بادخالك إلى حلقة أخرى تحد من آفاقك.

 

أفا عليك…

فكرة تحليل العلاقات بين الأشياء المختلفة التى تستخدم فى الإنترنت من أكبر محركات البحث وحتى الشبكات الإجتماعية من خلال الخوارزميات وربطها ببعضها أثر على خيارات الفرد. فمن خلال فهم خوارزمية المستخدم عن طريق معرفة إهتماماته وميوله وصفحات الإعجاب لديه والمواقع التي يتابعها يتم تحديد ما يثير إهتمامه خالقا بذلك ” شاورما” خاصة به.  وترتيب الصفحات حسب الأهمية تستخدمها منصة فيسبوك مثلاً لتحديد ما سيظهر لك فى صفحة تغذية الأخبار أو ما يعرف بالـنيوز فيد، حاداً بذلك من أفاق معرفتك، حيث أن الإنترنت يعمل بخوارزميات ليرشح للقارئ المواضيع التي” يهتم” بها فقط!…

كل هذا مرتبط مع بعضه لوضع المستخدم ضمن دائرة صغيرة ترشح له الأمور التي تهمه دون النظر إلى أراء الآخرين و مواضيعهم التي ينشرونها، بذلك يضعه في غرفة صغيرة مغلقة على نفسه توجد فيها فقط إهتماماته وأفكاره مثل تردد صوته في هذه الغرفة الصغيرة وهذا ما نسميه بغرفة الصدى. العالم كبير، أكبر من تصورنا، وبذلك المعرفة. لكنّا جميعاً متشابهين، ننمو ونتعرض ونختار، وفي هذا نحن نختلف. فمنا لا يختار، ومنا ينمو او يضمحل ومنا من يُعرّض إلى شيء واحد أو لا شيء على الإطلاق. اليوم يتاح لنا بكل سهولة وقدرة التعرض والإختيار والنمو ويكمن وجوب الوعي لأهمية الثلاثة ولتحدياتهم التقليدية والعصرية. هدف هذا المقال تعريف القارئ بخطرٍ -إن صح التعبير- المنصات الإجتماعية الرقمية ودور الإنترنت لخلق بيئة محدودة -باختيارك- تحد من نموك وتعرضك للحياة.

 

ملاحظة: هذا المقال لا يستهزئ بمحبي الباميا والفول الأخضر باللبن فكل الناس خير وبركة

 

أسامة مبيضين

2 621