نظرة على كتاب السلام بوسائل سلمية – الجزء الثاني

نظرة على كتاب السلام بوسائل سلمية – الجزء الثاني

اقرأ الجزء الأول هنا

الديموقراطية والدكتاتورية وعلاقتهما بالسلام

هل الديموقراطيات عدوانية أم سلمية؟

تساءل البروفيسور يوهان هذا السؤال وطرحه تحديدا على المستوى المحلي فقط. وفقا للتصور الذاتي للجهات الديموقراطية حكومات كانت أم برلمانات، فإنها تعتبر نفسها غير عدوانية ولا تشارك في الحرب ولا تميل للعنف، إنهم محبون للسلام ويؤكدون على أن السلام يؤدي لتحقيق أهدافهم. هم فقط اجبروا على استخدام الأسلحة والعنف في الخارج للعمل على حماية مواطنيهم ومصالحهم! هم اجبروا على استخدام العنف لتحقيق العدالة وعقاب الآخرين في العالم ضمن “الحملات العقابية”. هنا، يتضح أن الديموقراطيات قد لا تكون محصنة ضد الدكتاتوريين ومدعي السلام حول العالم! لما لا؟! قد يجتمع أعضاء البيئة الديموقراطية على اتخاذ قرار يؤدي إلى إحداث حرب خارج البلاد لبلاد اخرى وتكون الأسباب متعددة ومُشَّرعة تماما من قبل غالبية تصويت ديموقراطية. إنه الإستعداد لتحقيق السلام بوسائل عنيفة وليس بوسائل سلمية، إن تساءلت هل هذا يعقل؟ نعم إن اثرت الثقافات والأديان والأعراق و الأموال على قرار كهذا، قرار يؤدي إلى العنف والعبودية والإستعمار.

في الماضي، كانت الحركات الإستعمارية مغامرة يخوضها أفراد دكتاتوريين أو شركات ذات مصالح مادية. لاحقا دخلت الحكومات ومن ضمنها ديموقراطياتها في الحركات الإستعمارية التي كان أساس هذه الحركات يقوم على عدم قبول الآخرين وتحقيق المصالح تحت شعار “أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم” وتستند هذ الحركات الإستعمارية على نظام هيكلي عالمي يفرق بين الناس على أساس (العرق – الأمة – الطبقة) وتصنف الناس بناءً على امتلاكهم رؤوس الأموال وعلى الدين واللون. الطبقية الهيكلية سببت الكثير من الالم والعنف بما يكفي للعالم وتسببت بالضرر لكل من الشعوب المُسْتَعمَرة والشعوب المُستعمِرة. ان  عدت لأصل الأمر فإن الحكومات هي التي تقوم بالحركات الإستعمارية وليست الشعوب، فإن عوام الناس أقل عدوانية من قادتهم ومسؤوليهم. لذلك يُجَيَّشُ الناس وخصوصا الشباب لخدمة هذا الهدف الغير أخلاقي وذلك من خلال اللعب على وتر “أعطهم سببا ليقاتلوا” وربما الوطنية سبب وجيه، أو ربما العرق أو كره الطرف الآخر، أو ربما العزة والأنفة وغيرها  الكثير من الأسباب والتي يسوغها الساسة لزج الشباب في دوامات الحرب ليكون شعار التضحية بالغالي والنفيس بعد ذلك:

ليس فقط ماذا يمكن لبلدي القيام به من أجلي، بل الأهم ماذا يمكنني أن أقدم من أجل بلدي؟

 

نحن نخرج من حالة الحرب إلى حالة السلام, فلنعكس المقولة  آنفة الذكر كالتالي:

ليس فقط ما يمكنني أن أقدم لبلدي، بل من المهم أيضا ماذا يمكن لبلدي أن تقدم لي؟

يتضح هنا مفهوم السلم الإيجابي جيدا، إن الفرد في هذه الحالة غير مضطر للتضحية بنفسه من أجل قرار حرب ليس نابعا منه بل من رؤسائه. إن الفرد هنا يبدأ بالتفكير في مستوى أعلى قليلا من الحفاظ على حياته، مستوى كيف يحصل على العدالة وكيف يكون مُمَثلا ديموقراطيا ويساهم في صناعة القرار، وكيف يُسْمَعُ صوته، وكيف يحقق أمنه المادي والمعنوي؟.

 

نظام الدولة وعلاقته بالسلام

 

ماذا لو كانت الدولة فدرالية أو كونفدرالية أو منفصلة أو موحدة؟ هذا هو السؤال الذي طرحه الكاتب في البداية ثم أردفه بسؤال آخر: كيف للبشرية أن تعيش في وئام وانسجام دون ممارسة العنف الهيكلي؟

في النظام الإقليمي الحديث للدول، هناك دول ذات حدود يعيش فيها مجموعة كبيرة من الناس وعلى الأغلب يشترك هؤلاء الناس بأنهم من عرق واحد مع وجود أقليات من أعراق آخرى قد يعيشون في سلام سلبي أو إيجابي. قد يعيشون في انسجام كقفل اليين-اليانغ وهو رمز صيني نصفه اسود والآخر أبيض ويعبر عن الإنسجام بين شيئين متضادين. تاريخيا بدأ كل هذا مع بداية خلق الإنسان سمِّهِ نشوءً إن اردت حيث تكاثر الإنسان وتعددت أعراقه ثم بعد  ذلك تطور مفهوم الملكية لديه وأصبح يضع الحدود أينما ارتحل لحماية ممتلكاته. مع مرور الزمن نشأت دول ذات حدود يعيش ضمنها مجتمعات كبيرة. يمكن أن تعيش هذه المجتمعات بنسب مختلفة من الوئام والإنسجام تماما كقفل اليين واليانغ، لكن عند حدوث نقاط التحول يبدأ عنف من نوع ما ليعود المجتمع من جديد ويبحث عن الوئام (السلام الإيجابي). نقطة التحول قد تعني ثورة أو حربا أو إنقلابا والإنسجام يعني غياب العنف الهيكلي من المجتمع ويعني حياة جديدة وصفحة جديدة.

وفي نطاقين، النطاق الأول: نطاق الدولة الداخلي والنطاق الثاني، العلاقات الخارجية بين الدول. طرح الأستاذ يوهان سؤلا: كيف للنظام الدولي الحديث أن يصبح أكثر سلاما أو على الأقل نظاما أقل عنفا؟ هل يحقق السلام الإيجابي عن طريق المعاهدات والإتفاقيات والأنظمة والمنظمات؟. إن المعاهدات والإتفاقيات والأنظمة جميها مبنية على توقعات معيارية لحالة السلام الإيجابي. إنها تجعل المجتمع اكثر توقعا لشيء افضل من الاستقرار والانسجام, وبالتالي فإنها تُلزِمُ بطريقة ما جميع الجهات والافراد على الالتزام بمعاييرها طوعا, وقد اعطى الكاتب مثال على الاتفاقيات العالمية, كمنظومة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي شملت أغلب دول العالم.

الحق كل الحق؛ أن الكاتب كان عادلا عندما وضع الشروط الصحيحة لإبرام المعاهدات والإتفاقيات فضرب مثلا معاهدة معينة كانت لا تستوفي شروط العدل ولا انصاف فيها للجهات المتعاهدة، وكتب عدة بنود تتعلق بالإتفاقيات أو المعاهدات الناجحة أُلخص منها:

أولا: أن المعاهدات ما هي إلا إتفاق يقوم على تحقيق مصالح معينة للأطراف المتفقة.

ثانيا: يجب أن تكون هذه المصالح متكافئة وعادلة ولا تنضوي على استغلال أو تحيز.

ثالثا: وجوب التزام جميع الأطراف بالبنود المنصوص عليها مجتمعة وعدم نقض أي منها.

رابعا: استخدام آليات الإمتثال الإيجابية واستخدام أساليب ابداعية في حل الصراع. شبه الكاتب الأطراف المتنازعة بالعلاقة الزوجية التي لا طالما يحدث فيها المشاكل ولكن منعا للضرر يجب حل المشاكل دون الإنفصال عن الطرف الآخر، أجلسهم على طاولة واحدة ولن يخرجوا من مكانهم إلا والصراع قد حُلْ.

خامسا: العمل على تجديد مفهوم الوحدة والإرتباط بين جميع الناس المتحالفة ضمن الإتفاق.

إن هذه العوامل تؤدي إلى السلام الإيجابي وازالة الهم من خوض الحروب، بل وزيادة على ذلك، تعزيز الأواصر الإقتصادية والتعاون بين الدول أو بين المجتمعات داخل الدولة الواحدة.

أخيرا في هذا القسم، انتقل الكاتب إلى مناقشة الميل المورفولوجي الإجتماعي للبشر (بنية المجتمع الإنساني وهيكلية العامة والتي تؤثر على السلوك المجتمعي). ربط ذلك ببعض الثقافات الدينية كثقافة التوحيد وثقافة تعدد الآلهة وثقافة الإلحاد. كما وتحدث عن طبيعة هذه الثقافات من الناحية العقدية ومدى ارتباطها بفكرة الفيدرالية (حكومة مركزية  لكل البشر يعيشون فيها بألفة وانسجام)، أو بفكرة الكونفدرالية (لا مركزية ولكن هناك تعاون ومصالح بين جميع الجهات)، أو دول انفصالية (مكتفية ذاتيا). كل هذا يعتمد على مدى وجود الروابط “الغراء” بين المجتمعات أو عدم وجوده. قادني الكاتب للتفكير ماذا لو كان العالم مثاليا ويربطنا بالآخرين علاقة اخوية تعاونية، أهل سيكون الحال هو نفسه الحال؟.

 

إيمان أبو مقرب

0 71