نظرة على كتاب السلام بوسائل سلمية – الجزء الأول

نظرة على كتاب السلام بوسائل سلمية – الجزء الأول 

السلام بوسائل سلمية: السلام والنزاع والتطوير والحضارة 

يوهان جالتونغ عالم إجتماع وعالم في الرياضيات له إسهامات معتبرة في مجال بحوث السلام والصراع ووضع الكثير من النظريات القوية والجديدة كنظرية السلام الإيجابي والسلبي والعنف الهيكلي ونظريات الصراع وحل النزاعات ومفهوم السلام. الجدير بالذكر أن البروفيسور يوهان أسس معهد بحوث السلام في أوسلو كما عمل محاضرا في عدة جامعات عالمية كجامعة أوسلو وجامعة هاواي والجامعة العالمية الإسلامية في ماليزيا. عرف بمساهمته في علوم عدة كعلم الإجتماع والإقتصاد والتاريخ وعلم الإنسان وحصل على 27 شهادة منها الدكتوراه وجوائز من عدة جامعات ومؤسسات عالمية. له مؤلفات عده من ضمنها هذا الكتابالسلام بوسائل سلميةوالسلام، العنف والامبريالية” و”أخلاقيات غاندي السياسيةوغيرها من المؤلفات التي ساهمت جديا في علم الإجتماع وبحوث السلام.

في مقدمة الكتاب، ذكر الكاتب الدافع وراء كتابته للكتاب كما تحدث عن المنهجية البحثية والدراسية المتعلقة بدراسات السلام وأنه من الأفضل أن تتحرر هذه الدراسات من العنف الثقافي وأي عنف آخر مؤثر. أَقتَبِسُ من الكاتب “عندما نقوم بدراسات السلام فإن أحد المهام الأولى هي تحريرنا من العنف الثقافي والأكاديمي الذي أصبح أكثر انتشارا في الآونة الاخيرة. وتاليا، أن لا نصبح أسرى لمن يقدمون أنفسهم على أنهم كتاب ومحررون في مجال السلام بما فيهم هذا المؤلف الذي ألف هذا الكتاب (يقصد نفسه هنا)”، ثم ذكر وجوب تجاوز دراسات السلام عملية الوعي الفردي إلى عملية الوعي الجماعي وتأثير كلا من العقل الجماعي والفردي على عملية السلام.

ثم  أشار الكاتب إلى أن دراسات السلام كأي دراسات أخرى كالطب والفيزياء لها أبعادها القياسية وينشأ عليها التغيير، فالتغيير ينشأ على الفرضيات الأساسية في هذه العلوم بناءً على المستجدات والبيانات الجديدة. وذكر أن على الباحث في مجال السلام أن يأخذ باعتباره السياقات التالية: الطبيعة، الإنسان، المجتمع، العالم، الزمن والثقافة. هذا يجعل من دراسات السلام دراسات صعبة وتخضع لمعطيات كثيرة لا يجب للدارس فيها أن يكون منحازا لأي جهة أو مجموعة. انتقل الكاتب بعد ذلك إلى استخدام مصطلحان طبيان وهما (المرضالصحة) في تشبيه قياسي لمصطلحي (العنفالسلام)، واستخدم تاليا مصطلحات المثلث الطبي (التشخيصالتنبؤ العلاج) في سياق السلام، وتساءل الكاتب السؤالان التاليان:

  • ماذا لو وقعت المنظومة الإجتماعية في حالة سيئة (العنفهل هناك أعراض لذلك؟
  • هل يمكن للمنظومة الإجتماعية أن تستعيد حالتها الصحية (السلام) من المرض (العنف) تلقائيا؟

 

هناك إجراءان يمكن للطبيب أن يقوم بهما في حالتي تنبؤ التشخيص لمرض معين وهما؛ الوقاية والإجراء العلاجي نفسه. هنا قادته الأسئلة إلى سؤال آخر، أيمكن أن يكون هناك خط فاصل بين الوقاية والعلاج؟ إذا كانت الإجابة نعم، فلما لا يكون للعنف وقاية وعلاج أيضا؟ لذلك أطلق على مصطلح الوقاية من العنفالسلام الإيجابي وأاطلق على مصطلحعلاج العنفالسلام السلبي. كما وتحدث عن مصطلح العنف الغير مباشر أو العنف الهيكلي واستيضاحا للأمر أعطى مثالا “أن البؤس والفقر شكل من أشكال المعاناة وأن هناك عنف في كل مكان مقصودا كان أو غير مقصود. ساوى الكاتب بين العنف الهيكلي والعنف الغير مباشر وسمي العنف الهيكلي لأنه يتبع للهيكل العام للمجتمع، وللهيكل الطبقي والسياسي والإجتماعي للأفراد. لذلك، قد يكون الفساد عنفا هيكليا وقد يكون الفقر عنفا هيكليا وقد يكون الجهل عنفا هيكليا؛ عوامل الإقتصاد والقمع والإستغلال والدين والأيدولوجية ووسائل الإعلام والتعليم جميعها التالية ترتبط بالعنف الهيكلي بشكل مباشر.

هناك أبعاد لقضية السلام العنف في العالم قد ذكرها الكاتب وشرحها شرحا جيدا في الكتاب أذكر منها:

  • البعد السياسي: الديموقراطية فكرة عظيمة لكن تم فهمها بطريقة خاطئة“، هنا ناقش الكاتب دور الديموقراطية في جعل نظام الدولة أكثر سلمية. كذلك مدى تمتع العالم في الزمن الحالي بأنظمة ديموقراطية حقيقة والدور الديموقراطي في شعور الفرد بأهميته كمشارك في العملية السياسية. أما عن دور السياسة في التحكم بمفهوم السلامالعنف قال “قد يكتسب العنف شرعيته من خلال إضفاء الشرعية على بعض الهياكل والأفعال ونزع الشرعية عن هياكل وأفعال أخرى“. أي أن العنف يمكن أن يشرع من بعض الجهات على أنه عملية تهدف إلى السلام وذلك من خلال بعض السياسات التي تبنتها بعض بلدان في العالم المتقدم حيث تصف تلك الأنظمة أعدائها بمصطلحات الإرهاب والعنف والتطرف. هنا يتضح مدى ميل مفهوم السلام وانحيازه بناءا على المعطيات والمصالح السياسة للدول الأكثر قوة في العالم.
  • البعد العسكري: هناك تأثيران للبعد العسكري الأول سلبي يتمثل في مهاجمة الدول الآخرى بناءً على أوامر من قيادات عليا في دولة ما. وبعد إيجابي يتمثل في تنظيم الجيش والاستعداد للتضحية وإرساء روح الشجاعة لدى الجنود.
  • البعد الإقتصادي: مدى تأثير النظريات الإقتصادية على عمليات السلام في العالم. إن المال عنصر مهم في عملية السلام لأنه غالبا ما يحرك الأفراد والجماعات للقيام بممارسات العنف والبلطجة والسلب كما ان الصفقات الإقتصادية تؤدي إلى التدهور البيئي للإنسان وكمثال على ذلك ظروف العمل السيئة والتأثير وتدمير الطبيعة بالمخلفات الصناعية. بالإضافة إلى أن الكاتب ناقشنظرية الإكتفاء الذاتي والإعتماد على النفس بدلا من إبرام الصفقات التجارية.
  • البعد الثقافي: سأل الكاتبهل تؤثر الديانات والأيدولوجيات في العنف واللاعنف؟ ما هو دور الدفاع عن المعتقد والإيمان؟ ماذا عن محاولة التبشير به أو نشره؟

 

الفصل الاول :السلام والاساس المعرفي

التعريف الأول:السلام هو غياب/ الحد من العنف“.

التعريف الثاني: “السلام هو تحول عنيف ومبتكر للصراع، أي تحويل النزاع  سواءً اكان عنيفا أم خلاقا إلى شيء آخر معاكس“.

عمل السلام هو الحد من العنف بالوسائل السلمية والدراسات الخاصة بالسلام هي دراسات لظروف تحقيق السلام“. بحسب الكاتب‘ إن دراسة السلام تخضع لمثلث البياناتالفرضياتالقيم. فالبيانات هي وصف الواقع الحالي لحالة السلامالعنف في العال،, والفرضيات هي التساؤل لماذا وقعت حالة معينة من سلام أو عنف، و القيم هي مجموعة المبادئ والافكار التي توجه السلوك السلام أو سلوك العنف. إن العلاقات التي تحكم ثلاثية دراسات السلام هي:

  • الدراسات المنهجية التجريبية: تخضع فرضيات السلام للإختبار التجريبي باستخدام البيانات التي تصف واقع السلامالعنف.
  • الدراسات المنهجية الناقدة: تخضع القيم الخاصة بالسلام للنقد، كيف ذلك؟ بناء على البيانات الواقعية الموثوقة قد  يكون هذا الإنتقاد سلبيا أو إيجابيا يدحض القيم أو يدعمها مشبها عملية النقد بالإدعاء العام في المحكمة والقيم هي الشيء الذي يراد الحكم عليه، بينما أن البيانات هي الحقيقة الجلية والشاهد والإثبات.
  • الدراسة المنهجية البناءة: قد تبنى فرضيات السلام قيما سلمية جديدة أو تقوم بدور تصحيحي لبعضها تماما كالمهندسين والمعماريين الذين يخططون وينشؤون شيئا جديدا.

 

إذا، تخضع العملية الدراسية لموضوع السلم، العنف لثلاث عمليات وهي التجريب والنقد والبناء تماما كأي علم آخر يمتاز بالمرونة وقبول التغيير عليه عند أي نقطة انعطاف. بكل بساطة لخص الكاتب ما أراد أن يقوله في الجزء الأول من الكتاب وأقتبس منه ما يلي:

  • الإقتباس الأول:سوف ينشأ العنف  بشكل طبيعي في الطبيعة فهو شيء يمكن حدوثه بالطبع ويكون غير مقصود“. يعني الكاتب بذلك أن الطبيعة تمارس عنفا أحيانا تجاه البشر كالزلازل والبراكين مثلا.
  • الإقتباس الثاني:يُعَّرف العنف المباشر في ضوء المساحة الفردية والإجتماعية والعالمية على أنه العنف الحاصل بشكل فردي من شخص ما سواء أكان لوحده أو تابعا لجماعةهنا، يتضح مفهوم العنف المباشر وعلاقته بالسلام السلبي.
  • الإقتباس الثالث:يعرف العنف الهيكلي أو غير المباشر على أنه عنف مُضَّمنٌ في المساحة الفردية والإجتماعية والعالمية بشكل غير مقصود“. يقصد الكاتب أن ممارس العنف الهيكلي لا يهدف إلى إلحاق الضرر بشكل مباشر بالطرف الآخر.
  • الإقتباس الرابع:يضفي العنف الثقافي الشرعية على العنف الهيكلي المباشر“، ذكرني هذا بسياق ديني معين أثر على تشريع قوانين غير منطقية في احدى البلدانالدينيةالمعروفة. 
  • الإقتباس الخامس:ارتكاب أعمال عنف مباشرة أو إغفال مكافحة العنف الهيكلي؛ يمكن أن يكون مقصودا أو غير مقصود.”
  • الإقتباس السادس:العنف الزمني يؤدي إلى آثار سلبية على أجيال المستقبل.” 

 

العنف السلبي والعنف الإيجابي

العنف المباشر يضر بالإنسان جسديا ونفسيا وروحيا بحيث تترك صدمات العنف أثرا من الصعب نسيانه في الطبيعة العاطفية والفيزيائية والثقافية  للإنسان. إن السلام السلبي هو محاولة إنهاء كل أشكال العنف الذي وصل لمراحله القصوى والتي تتضمن:

  • العنف تجاه البيئة: الإبادة البيئية.
  • العنف تجاه النفس: الإنتحار. 
  • العنف تجاه الآخرين: القتل والإبادة الجماعية.
  • العنف تجاه الثقافة: ابادة تجاه الثقافة مثل محاولة  الإستعمار الفرنسي محو الثقافة العربية في الجزائر.

بينما السلام الإيجابي يستبدل الحرية مكان القمع ويحقق الإنصاف بدلا من الإستغلال وهو أفضل وقاية من العنف بل ويحقق الإنسجام على المستوى الفردي والجماعي. هنا فكر الكاتب بجعل السلام الإيجابي ثقافة مكتسبة في الدين وفي القانون وفي الأيديولوجية وفي وسائل الاعلام وفي اللغة والفن والعلوم والمدارس والجامعات في كل مكان.

 

إيمان أبومقرب

الجزء الثاني

 

1 74