هاشتات Hashtat والتكافل المجتمعي

هاشتات Hashtat والتكافل المجتمعي

مبدأ التكافل الإجتماعي ليس بجديد في مجتمعنا، فالتكافل في المجتمع يعني تكفل المجتمع بشؤون كل فرد فيه من كل ناحية من النواحي الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والصحية. ويهدف إلى تحقيق العدالة المجتمعية من خلال مكافحة الفقر بكل أشكاله أكان المطلق أو النسبي أو النفسي. في وقتنا هذا، أغلب الجهود مكثّفة لمحاربة الفقر المطلق لآثاره وأهميته وأولويته على الباقيين، فمثلاً: في رمضان تكثر الأيادي البيضاء في تعزيز هذا المبدأ، فالمساعدات والطرود والتشاركية والإقبال عليهم تملأ الأجواء ولها أثر فعّال بشكل مباشر و لحظي و أيضاً على المدى الطويل.

لكن للإشارة إلى مقالي السابق الذي يتحدث عن توزيع الأعمال والقدرات المستنبط من الوعي بأهمية ذلك للمجتمع ونهوضه ضمن مفاهيم علم الإجتماع، وكيف يكون تأثير اختيار الطلاب المقبلين للدراسة الجامعية جزءاً من ذلك، صانعاً أفراد علم ومهنة قادرين على المضي قدماً بكل ثقة وقدرة إلى سوق العمل وبالتالي تحسين الوضع الإقتصادي العام والخاص بالأفراد. فآلية صنع الخيار، ذلك الخيار الواعي المستنبط من تفكير وخبرة وشغف هو المستهدف هنا. هذه الخاصية والقدرة المهمة في توجيه وتمكين الأفراد -برأيي- بالكاد موجودة بهيئتها العامة. فنحن نستوطن وندفع ونرسم مسارات وخيارات الكثير من الأطفال، و لكننا لا نتوقف عند ذلك بل نقوم بالإستمرار على ذلك النحو أيضاً للمراهقين وحتّى البالغين بحجة الخبرة والدراية بالأفضل لهم. بحسب الأكاديميين الذين يدرسون أو يختصون بمفاهيم خاصة بصنع القرار وحل المشكلات فإنهم يرون أن القرارات الهامة تحتاج إلى ثلاث: معرفة ووقت وإلتزام. هذا برأيي ما يفتقره أغلب طلابنا. فهم يحظون باسبوعين من اللخمه والتضارب لملئ قائمة مجردة بتخصصات يمكن أن تكون متاحة لهم، وهذا وأيضا  تكون الأسباب للإختيار في غالب الأمر إما جداً عاطفية أو ضحلة لتفسير رغبتهم بالمضي قدماً لأي تخصص. ولنضف أيضاً بأن الإلتزام يأتي محملاً ومرتبطاً بظروف الحياة المعيشية والعائلية، وبهذا يصبح المستقبل عبارة عن معادلة حسابية بسيطة تحتوي على ثلاث أو أربع معطيات فقط لا تربط بالطالب.

في هذا المقال سيتم التطرق إلى أحد هذه المبادرات التي تساعد الطلاب على اختيار التخصص الجامعي من خلال التجربة العملية المنبثقة من الوعي بأهمية ذلك وهي مؤسسة هاشتات، ففي مقابلتي مع المهندسة هبة العواملة المؤسسة والمديرة التنفيذية لهاشتات ما يلي:

 

من نحن؟

هاشتات هي عبارة عن أول جامعة مصغرة لطلاب المدارس، فهي تهدف إلى تعريف طلاب المدارس بشكل عملي ومباشر على 24 تخصص جامعي بقصد اكتشاف المهن من خلال التجربة بشكل سليم وفعّال والذي بدوره يساعد على اكتشاف الميول والتخصصات الملائمة لذلك. فهنالك فجوة ما بين المدرسة والجامعة نحتاج إلى النظر إليها. وهاشتات كمصطلح يأتي نصفه الأول هاش من هاشتاغ، وهو رمز يستخدم للتعبير ووصف كل ما هو جديد trend، فهكذا برأيي هي العلوم والجامعة و تات TAT = Talent and Talented للإشارة بالموهبة والموهوبين، فهذا ما نطمح له؛ التقدمية وإثراء الموهبة.

 

لماذا؟ 

يأتي ذلك من تجربة شخصية متمثلة في الإختيار الخاطئ المبني على فكرة بعشر دقائق علقت بذهني طوال سنين دراستي. فطفولتي لم تكن مميزة ولم أكن أعي ما المناسب غير الّي كان ينحكالي، فبعد تخرجي في التوجيهي بمعدل بسمحلي بدراسة الهندسة، لمّا فتحت طلب القبول الموحد تفاجأت بتعدد أنواع الهندسة، وللأسف لم أعرف الفرق بينها. فمثل كثير من الطلاب أصبحت أصنف الهندسات بناء على مسمياتها، صناعي يعني مصانع (إنسي)، هندسة كيميائية يعني كيمياء (ممكن)، هندسة حاسوب؟ نعم (شكلها حلوة). فاخترت تخصصي المستقبلي بناء على المسمى، لكني اكتشفت أنه التخصص غير مناسب لي ولميولي. فكنت في السنة الثالثة جامعة، كنت أداوم ثلاثة أيام بالأسبوع في الجامعة وباقي أيام الأسبوع أفعل الأشياء التي أحبها.

بدأت فكرة هاشتات عام 2012 بتخرجي من كلية الهندسة، (ذلك المكان الذي اعتقدت أنه سيرسم لي مستقبلي -لقد رسم فعلاً أن فكرنا قليلاً بجعلي أبتعد عنه-)، حينها كنت أبحث عن مؤسسات ومبادرات تساعد في مجال التعريف بالجامعة وتخصصاتها المختلفة وتساعد في عملية صنع واتخاذ القرار ولم أجد ما هو مناسب، كلها تتحدث مع طلاب التوجيهي المتخرجين حديثاً من قبل أشخاص غير مؤهلين بحديثٍ غير حيادي ومقتضب. فأخذت على عاتقي البدء بمشروع يستهدف آلية الاختيار لطلبة المدارس. في عام 2014 فتحت أبواب هاشتات لتكون أول جامعة مصغرة لطلاب المدارس.

 

ما هي الجامعة المصغرة؟

هي عبارة عن مجموعة ورشات عملية تشمل 12 كلية و 24 تخصص، تسعى للتعليم عبر المشاريع – فنحن نحاول الإبتعاد قدر المستطاع عن التعليم التلقيني، ويكون ذلك من خلال المشاركة بتلك الورشات التي تقاد من قبل مدربينّا حديثي التخرج من الجامعة (التي تتراوح أعمارهم ما بين 21- 25) لخلق بيئة شبابية متطلعة ومواكبة للحياة الجامعية من الشباب إلى الشباب، وتتمحور المشاركة بطرح الأسئلة وإبداء الرأي فنحن نهتم كثيراً بالاستماع إلى وجهات نظر طلابنا عن رغباتهم وتصوراتهم ودمجها ببرامجنا. الفئة المستهدفة هم الطلاب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 7-17 سنة، مقسمين إلى مجموعتين؛ الأولى للطلاب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 7-11 و الثانية لهؤلاء ما بين 12 و 17 بمجموعات لا تزيد عن 7 أشخاص. هذا التنوع العمري يساعد من هم أكبر عمراً على أن يكونوا مسؤولين بمساعدة من هم أصغر منهم من حيث اللغة والصعوبة و مستوعبين الفوارق ما بينهم لتعزيز دور التعليم التشاركي والتعاون ما بين الطلاب.

الإنجازات

للآن، هنالك 1600 طالب استفادوا من خدماتنا وتمكنّا بحمد الله أيضاً بتوفير 166 فرصة عمل كمدربين، ونفتخر أن نذكر أن أحد مدربينا الحاليين هو أحد طلابنا القدامى، وأن أهم إنجازاتنا يكمن في أثرنا الفعلي على كيف نظر الطالب إلى نفسه وفهمه لميوله واستيعاب رؤيته لمستقبله، العديد من طلابنا استطاعوا اختيار وتغيير مسارات اهتماماتهم والتزاماتهم الأكاديمية سواء أكان ذلك من اختيار المذاهب الأكاديمية في المرحلة الثانوية أو باختيار التخصصات الجامعية.

يجدر الذكر أيضاً بأن هاشتات تم تكريمها من قبل ال USAID وال UNICEF بمنح لتفوقها وتميزها في مجال الإبداع الإجتماعي، وكذلك فقد تم تقدير أعمالها من قبل جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين بصحبة عدد من الشباب الرياديين، وتضيف العواملة “تكريم الملك إجى تتويج للّي بنشتغله، إحنا أبداً ما كنّا نطمح بشغلنا ليكون على رادار الديوان، بس الحمدالله من أثره وقيمته تشرفنا بالوصول إله”.

 

كيف ترون أنفسكم بعد خمس سنوات؟

 أولاً، نحن نطمح إلى توسيع مقرنا محلياً وإقليمياً -لنصل بذلك إلى أعداد أكثر من الطلاب بشتى طبقاتهم واختلافاتهم. ثانياً، نحن نسعى إلى توثيق برامجنا التعليمية بالملكية الفكرية، لنستطيع بذلك نشر برامجنا التدريبية لشتى المؤسسات التعليمية المحلية والعالمية. وأضافت “نحن نعي أن أهدافنا مرتبطة الآن بالواقع الربحي للمؤسسة، فنحن باجة إلى رأس المال لتغطية القدرة التشغيلية وبذلك للمضي قدماً في عملية البناء هذه؛ فنحن نسعى فيما بعد أن يتم دمج مناهجنا التعليمية بتلك الحكومية ليصبح الهدف حق من حقوق أبنائنا وبالتالي مستقبلهم ومستقبلنا.”

 

مستقبلهم ومستقبلنا

“مستقبلهم ومستقبلنا” بهذا أنهت المهندسة حديثها، فالواقع يحتاج إلى أفرادٍ قادرين على صنع التغيير. فالتعليم كما ندري جميعاً هو الأساس بذلك، لكن إذا اتبعنا الوسائل التقليدية والروتينية الشاملة للكل فنحن بهذا نخسر الكثير ونُخسر الكثير من ما يوفره الواقع. فآلية التفكير المستقل والنقد والاختيار الواعي هم من المسلمات اللواتي نطمح بامتلاكها من قبل جميع الأطفال والطلاب. فعند إذٍ، ربما، يكون مستقبل المجتمع يكمن في السماء تاركاً وراءه بؤر الفقر والضياع.

 

أسامة مبيضين

1 73