هرم الكراهية  

هرم الكراهية

“الكراهية مرض لو إستحوذ على القلب لحطمه وأذهب العقل معه”. هاني حامد مدكور

الكره مشاعر انسحابية يصاحبها إشمئزاز شديد، نفور وعداوة، أو عدم تعاطف مع شخص ما، وتعوز عموماً إلى رغبة في تجنب، عزل، نقل أو تدمير الشيء المكروه. يمكن للكره أن يبنى على الخوف من غرض أو شخص معين أو ماضي سلبي نتج عن التعامل مع ذلك الفرد. تستخدم لفظية “كراهية” لوصف إجحاف أو حكم مسبق، تعصب أو إدانة اتجاه فئة أو طبقة أو مجموعة من الناس. كما أنها مشاعر غير مؤقتة وتستمر حتى موت الكاره أو المكروه وتربط بالعديد من المشاعر مثل الغضب والعنف وشيء من الجنون والتصرف بطريقة عدائية اتجاه الكائنات المكروهة. هذه المشاعر من الممكن أن تتسبب في تدمير كل البشر إذا أستقرت في قلوب الكارهين “خاصة أعضاء تلك الفئة المكروهة”.

يمكن للكراهية دفع الإنسان إلى الإجراءات المتطرفة مثل أن تؤثر سلباً أو تدمر الكائنات المكروهة أو حتى تؤثر على الشخص الكاره أو على الناس عامة من عنف، قتل، و حروب. السؤال هنا كيف يمكن للناس القيام بأفعال شنيعة تناقض انسانيتهم؟ كيف يمكن ان يتحول الفخر الوطني إلى معسكرات من الموت؟. ما يجب أن ندركه هو أن أي من هذه الأعمال لم يبدأ كقرار مفاجئ بارتكاب أبشع أعمال الكراهية والعنف إنما هي مبنية على أفعال كراهية أصغر حجماً. بيد أن هذه الأعمال ترسي الأساس لمستويات أكبر وأكبر من الكراهية لتنمو وتصبح أعمال عنف. هناك طريقة جيدة لتصور هذه العملية من خلال ما يسمى “هرم الكراهية” و الذي يحدد أفعالا بسيطة ذات تأثير كبير.

المستوى الأول (أسفل الهرم): المواقف المتحاملة

هي أساس الهرم و قاعدته وهي عملية تحليلية بالعقل من خلال التفكير بالشخص الذي أمامك واطلاق الحكم عليه من دون معرفته أو انشاء أي حوار معه يتمثل بوجهات نظر سلبية تطلق على مجموعة من الناس واتهامها بأنها سبب مشاكل المجتمع وقبول الآراء المسبقة مثل:

  • قبول القوالب النمطية كالتوقيع على الصورة النمطية الصعبة للمرأة على أنها ضعيفة.
  • اطلاق النكات التي تقلل من الجماعة المكروهة.
  • كبش الفداء (إلقاء اللوم على الناس بسبب هويتهم الجماعية).

 

المستوى الثاني: الأفعال المتحاملة

و هي أفعال تحيز فردية ردة الفعل اتجاه الشخص الذي أمامك”، أو اطلاق حكم و نميط عليه من دون معرفة مسبقة له. تتجلى عندما يقول شخص ما النكات البغيضة أو يدلي بتصريحات بغيضة. كما أنها قد تختص بناس من مجموعة معينة والسخرية منهم أو تسميتهم أسماء بغيضة. المواقف والأفعال المتحاملة هي أساس لتوليد التجاهل وانحيازك لنفسك فيحثك على تجاهل الآخرين و عدم إنشاء أي حديث معهم فحينها يبدأ تكون الكره مثل:

  • السخرية.
  • التجنب والإستبعاد الإجتماعي.
  • اطلاق النكات التي تقلل من الجماعة المكروهة.

 

المستوى الثالث: التمييز والعنصرية

التمييز والعنصرية هي أبرز مثال على الكراهية. العنصرية هي الإعتقاد أن هناك فروقًا وعناصر موروثة بطبائع الناس أو قدراتهم وعزوها لانتمائهم لجماعة أو لعرق ما بغض النظر عن كيفية تعريفهم لمفهوم العرق وبالتالي تبرير معاملة الأفراد المنتمين لهذه الجماعة بشكل مختلف اجتماعياً وقانونيا ويتم ممارسة عليهم قوانين قاسية تحرمهم حقوقاً أو امتيازات أو تؤثر في المعاملة على حساب أخرى. يتم تبرير هذا التمييز بالمعاملة باللجوء إلى التعميمات المبنية على الصور النمطية وباللجوء إلى تلفيقات علمية. كما يمكن تعريفها بأنها كل شعور بالتفوق أو سلوك أو ممارسة أو سياسة تقوم على الإقصاء والتهميش والتمييز بين البشر على أساس اللون أو الانتماء القومي أو العرقي ومن الأمثلة المعاصرة للعنصرية قوانين الفصل في جنوب افريقيا ضد الأفارقة السود تحت ما يسمى “العزل العنصري” والحركة الصهيونية ضد السكان العرب لفلسطين.

المستوى الرابع: العنف

يُعرف العنف بأنّه سلوك عمدي و تطبيق قوة بدنية موّجه نحو هدف سواء كان لفظي أو غير لفظي. ويتضمّن مواجهة الآخرين مادياً أو معنوياً و التسبب لهم بأضرار قد يكون الضرر جسدياً او نفسياً او كليهما مما يعني استخدام القوة عليهم كآداة للتأثير بغض النظر عن شرعية استخدامها. يعبر العنف عن القوة الجسدية أو النفسية التي تصدر ضد النفس أو ضد أي شخص آخر بصورة متعمدة أو إرغام الفرد على إتيان هذا الفعل نتيجة لشعوره بالألم بسبب ما تعرض له من أذى. للعنف أنواع عديدة منها: الإيذاء النفسي، الإيذاء البدني والعنف الأسري كما و يستهدف فئتين: الناس ويعرضهم للتهديد أو العنف أو القتل، والممتلكات من حرق أو تدنيس (انتهاك حرمة بيوت العبادة أو المقابر). العنف عمل سلبي بطبيعته وسلوك شائع نسبياً بين البشر.

المستوى الخامس: الإبادة الجماعية

و التي تمثل قمة الهرم، إذ تم صياغة هذا المصطلح في عام 1944 من قبل “رافائيل ليمكين” وتعني أي فعل من الأفعال المرتكبة بقصد التدمير المنهجي والمتعمد الكلي أو الجزئي لمجموعة وطنية أو عرقية، أو دينية مثل قتل أعضاء من الجماعة، وإلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة، وفرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة أو نقل الأطفال قسراً من مجموعة إلى مجموعة أخرى.

الإنسان بطبيعته يحب أن يطور من أدواته ورغباته لكنه يهمل تطوير “جودة أحاسيسه” إتجاه الأشياء التي يحبها. فقد تمكنا من هندسة حلول لمشاكل تقنية كثيرة واستطعنا التوسع من حدود طاقاتنا وأوجدنا حلول لطرق تواصلنا كمجموعات مع بعضنا، لكن عجزنا عن تطوير أدوات تواصل جديدة نستطيع من خلالها أن نتعامل مع أبنائنا وشركائنا ومن حولنا. امتلكنا ماكينات وأجهزة طورت من طريقة حياتنا ولكن تجنبنا أن نفحص احاسيسنا اذا كانت بحاجة لتحسين ارتباطاتنا بالناس والأشياء من حولنا. كل هذه بسبب التوتر المتأصل بأعماقنا وبسبب هذا الشد من الأحبال المختلفة من التناقضات التي شكلت نوعية وجودة شخصياتنا.

أخطئنا عندما اعتقدنا أن هناك خريطة واحدة فقط نتبعها، أو أن هناك صوت واحد فقط في داخلنا، نعتقد أن هذا الصوت من الممكن أن يجعلنا أحرارا من كل القيود مع العلم أن هناك الكثير من الأصوات التي بداخلنا قادرة على توصيلنا للإنفتاح لأجود وأوسع جوانب العلاقات. حتى لو لم يكن هناك صوت في داخلك، الحياة لديها صوت ويخبرك بأن الطريقة التي يجب أن نكمل فيها حياتنا خاطئة تماماً لأنه لا يمكن للجمال الذي بداخلنا أن يدافع عن نفسه بكل هذه البشاعة. ولا يمكن لذكائنا أن يدافع عن نفسه بكل هذا الغباء، ولا يمكن للسلام الموجود في قلوبنا الدفاع عن نفسه بكل هذه الوحشية.

من المستحيل أن يكون موجود كل هذا الجمال أو الذكاء أو السلام مع كل هذه التناقضات وهذا ما جعلنا معزولين عن كل شيء من حولنا، معزولين حتى عن انفسنا، الجميع أصبح غريباً وينفر من الآخر حتى فقدنا الرغبة في التواصل. لهذا يجب علينا أن نعيد التفكير بالشروط التي وضعناها لأنفسنا للتكيف مع حياتنا و مع الآخرين. نحن بحاجة لاسلوب جديد في تجاوبنا وتعاملنا مع الآخرين من مختلف الطوائف ومن مختلف الأجناس ومقاومة الاخضاع الداخلي المسيطر على أحاسيسنا من تفرد، انحياز، خوف، توتر، كره، وتغيير أساليبنا التقليدية لنتواصل بطريقة أفضل مع بعضنا البعض. يجب أن نقوم بعملية قرصنة لأدمغتنا وقلوبنا حتى توسع حدود تقبلها للآخرين ونحاول اكتشاف افكار جديدة تساعدنا على ارجاع توقنا للحنينية العاطفية التي افتقدناها. ذاكرتنا بحاجة لالبوم صور جديدة تعلق بأذهانا وقصص جديدة نقرأها لأطفالنا. نحن بحاجة لأبعاد جديدة للأشياء من حولنا ومفاهيم جديدة للأشياء التي نحبها، نحن نريد تقييم جديد لقدراتنا الحسية والعاطفية وطرق تواصل جديدة مع مختلف الناس “وهيك بس بنرجع انسانيتنا للحياة”.

جمانة العويسات

 

0 13