هل علينا أن نكون قضاة لنساعد الإنسانية؟

هل علينا أن نكون قضاة لنساعد الإنسانية؟

بدأت قصتي مع النشرات الإخبارية الدموية التي كانت تريد إغتيال طفولتي مع كل خبر قتل، تفجير، قصف أو موت. كنت دائما ما أجد نفسي في مناقشات الكبار لأعبر عن وجهة نظر واحدة؛ أن المحبة والسلام والأمان والحرية وكل الحرية حق لكل البشر على حد سواء مهما كانت معتقداتهم ومهما بلغ إختلافنا أو تناقضنا وتعاكسنا. لم تكن النشرات الإخبارية هي الوحيدة التي تؤلم روحي كطفلة ولكن صوت جدتي وهي تسرد كيف كانت تذهب للمدرسة تحت صوت إطلاق النار يوميا في حرب أيلول في الأردن كان أشد وقعا على قلبي. أما صوت  جدي والد أبي وهو يحكي بشاعة الحرب وقساوتها وطول الطريق المتعب وضناوة  التهجير فلم يكن يتركني إلا بعد أن يخطف صوتي لأصبح غير قادرة تماما على التعبير عن حزني أو إظهار التعاطف من خلال كلماتي. صوت داخلي كان يسألني بإستمرار لما كل هذا؟ لما لا  نعيش بحب وسلام مهما إختلفنا على هذه الأرض وفي هذا العالم؟! ما الغاية!؟ حقا، ما الغاية من القتل بناءا على الطائفة؟1 ماذا سيجني القتلة من إبادة شعب ما وماذا جنى تجار الحروب من كل الروب التي خاضوها؟ وهل الجيوش التي تشن الحرب تدرك معنى السعادة؟ هذه لم تكن طفولتي أنا فقط، بل جيلي أيضا عايشها كما عايشها من قبلنا السابقون وأخشى على اللاحقين منها!.

إلى جانب كل هذه الأوجاع  في تلك السن الصغيرة لم أتقبل قط فكرة أننا غير قادرون على الخلاص أو العيش بسلام. لم أجد بهذه الفكرة إلا تبريرا للإستسلام والهوان لذا كبرت وأنا أحلم بأن أصبح قاضية لأحقق العدل والسلام ما إستطعت وكنت أرغب بدراسة حقوق الإنسان للدفاع عن المستضعفين، فقد شعرت أنني محامية أو قاضية مكلفة ومسؤولة عن كل المظلومين وعليَّ أن أدافع عن كل البشرالضحايا وحتى المذنبين! فالبشرية تعني أيضا حتمية وقوع الخطأ… لكن نتائج الثانوية العامة جاءت مخيبة قليلا فلم أستطع دراسة أي من التخصصين اللذين رغبت  بهما. وأختارت لي الحكومة بناءا على الطلب المعبأ من قبلي تخصص الخدمة الإجتماعية. وقتها لم أكن أعرف أي شيء عن هذا التخصص والواضح أنه وضع بالخطأ في الطلب أو كما يقولون سقط سهوا! دخلت الجامعة وكانت الكلية قد وضعت لي إستراحة طولها ساعة واحدة بين المحاضرة الأولى والثانية! كنت حينها أتصل بأمي وأبكي مرارا لأنني لم أدرس التخصص الذي لطالما  أردته. وفي الفصل الثاني إنقلبت موازيني فتعمقت في مواد التخصص وأكتشفت أن هذا أفضل ما حصل لي على الإطلاق. فمكاني بين الناس وللناس وتفوقت في دراستي الجامعية وخضت العديد من التجارب وحصلت على تعليم نوعي رائع جدا جعلني مؤهلة للعمل في الميدان. هنا أدركت أن الدفاع عن المظلومين والوصول للسلام لا ينحصر في المحكمة وتحقيق العدل ليس حكرا على قاضي عادل ومحام آمين. من هنا بدأت أدرك أنه علي أن أبدأ من الداخل ثم إلى دوائر حياتي واحدة تلو الأخرى.

ببساطة يمكننا البدء من خلال تغييرات بسيطة في الخطابات المنتشرة وأقصد تحديدا خطاب الكراهية. هذا كفيل  بقلب المعايير والسلوكيات وحتى المشاعر. هل تتسأل عزيزي القارئ لما المشاعر؟ لأن كل شيء يبدأ منها كما ينتهي إليها فمثلا، الأفكار تنتج عن المشاعر التي بدورها تصبح معتقدات ثم عادات… وهاك مثالا لنبسط الموضوع علينا؛ تشتم طفلك أو لنقل تقارنه بمن هم أفضل منه من أقرانه، يتولد لدى الطفل هنا شعور مثل الشعور بالعار أو فقدان الثقة بالنفس، ثم يترجم هذا الشعور على شكل فكرة تدفعه للدفاع عن نفسه أو الإنتقام كالعناد أو الصراخ. طفلك يعنادك لأنه يشعر بمشاعر سلبية أنت حفزتها بداخله والنتيجة هي إنتهاجه لسلوك سلبي وفقدانه للسلام الداخلي الذي ينعكس على واقعه تباعا وهذه البداية فقط.

أما خطابات الكراهية المنتشرة هذه الأيام فهي متعددة ومتجذرة ومن الممكن أن لا تصنف جميعا على أنها خطابات كراهية فعلية وحقيقية وذات خطر. لقد إنتقلت إلينا على شكل برمجة لا واعية. دعني أفصل بعض الشيء وأقترب للواقع اليومي لنا كشباب؛ تذهب لزيارة جدك أو أحد مِمَن هم من جيلك يسبقك وإذ به يسرد لك كم كان من خير في جيلهم وأنه ما من جيل يأتي إلا ويكون أسوء من ذي قبل، فالنساء ليست كنساء ذاك الزمن ولا الرجال كما الرجال سابقا، ويا له من حكم مسبق شديد الظلم على جيل بأكمله. المفاجأة أن جيله في نظر والديه كان أسوء من جيلهم… ولأحلل الأمر، طرحت السؤال التالي على نفسي: لما يعتقد الجيل الأكبر أنه أفضل؟ نعم سؤال مختصر وبسيط يبدأ ب لماذا/لما أو (ليش) بلغتنا العامية كاف للإجابة على العديد من الأمور ومن عدة جوانب. بالدرجة الأولى، تتم المقارنة بناءا على نمط الحياة السائد والأشياء المتاحة. لدينا المواصلات العامة والسيارات الخاصة والمطارات بها إسطول نقل جوي مما يجعلنا قادرين على ملامسة الغيوم والنجوم بينما كان عليهم قطع الأميال وصعود الجبال في بعض الأحيان للتنقل وفي أحسن الأحوال التنقل بإستخدام الحيوانات، هذا ما كانت عليه طفولتهم فلم تكن السيارات منتشرة وحتى بعد أن أنتشرت إستمروا بالشعور بقدرتهم على التحمل والحركة أكثر من جيلنا كوننا نعمنا بمعظم وسائل النقل. نحن أيضا نستطيع طلب الطعام، الملابس، الأجهزة الكهربائية… وغيره من خلال ملامسة أناملنا لشاشات هواتفنا بدون أن نتكبد عناء الطريق وهكذا دواليك. لعبت التقنيات الحديثة وثورة التكنولوجيا دورا كبيرا لتجعل حياتنا تبدو سهلة جدا ومترفة مقارنة بحياتهم وأقول تبدو لأنني أعرف ما لهذه الأمور من جوانب سلبية، فكم تضجر أروحنا ونحن عالقين في الأزمات المرورية الخانقة وكم فقدنا من أرواح غالية نتيجة تهور البعض في القيادة وكم ترهق جيوبنا في تصليح المركبات هذا بعد إقتنائها أصلا. هذه الأعباء لم تتحملها كل الأجيال ولكن لمعظم الأشياء جوانب سلبية يا أسلافي…

بالدرجة الثانية تأتي المفاضلة فكريا وأخلاقيا إن صح التعبير. كثيرا ما كنا نسمع (أنا مكنتش أرفع نظري بوجه أبوي) تعبيرا عن الإحترام والإجلال والإنصياع في ذات الوقت. فلا رأي لهم ولا مشورة ولا قرار فالأب وبعده الأم من يختار شريك الحياة لأولاده وبناته ويسري الأمر على باقي جوانب الحياة والقرارات الشخصية. ولكن هل حقنا في الإختيار وإن كان مخالفا لرغبة الوالدين يعد ذنبا أو عيبا يستحق ما يستحق من عقوبة شرعية ومبررة كليا في نظرهم؟! برأيي نحن لسنا بحاجة للإجابة على هذه الأسئلة، بالأصل علينا عدم المقارنة والتوقف تماما عن محاولة منح الأفضلية لجيل على حساب جيل آخر فلكل زمان إمكانياته كما تحدياته وخطوطه العريضة وقوانيه ومباحاته كما ممنوعاته. مسؤوليتنا كشباب هي عدم تصديق الفكرة، فكرة أننا سيئين ولا خير بنا و في ذات الوقت عدم إهدار الأيام في محاولة إثبات خيرنا. لنركز على الواقع والحاضر، على نجاحاتنا الصغيرة والكبيرة وعلى تطورنا تعلمنا ومدى تقبلنا للأشياء. يكمن الدور الأصعب في عدم نقل هذه الأحكام وتمريرها لجيل أبنائنا وتدميرهم نفسيا وبرمجتمهم على غير الحقيقة التي تفضي بأن كل جيل له خصوصيته.

نحن بحق أقوياء إذا ما تغلبنا على هذه البرمجة وخطاب الكراهية الخفي، هذا الذي إمتد لأجيال وأجيال. لا أعرف طريقة لعدها، نحن مذهلين حقا وعلى قدر المسؤولية في حال دعمنا جيل أبنائنا وآمنا بهم مهما إختلفت حياتهم عن حياتنا. بعض الأفكار هي أحكام تشبه الحكم بالإعدام على بريء أو على أقل تقدير على شخص محايد. وكما أسلفت سابقا ليس علينا أن نكون قضاة ومحامين لنساعد على رفع الظلم. في هذه المقالة أحاول الترويج للأشكال الأخرى لمساعدة الإنسانية والتي قد تبدأ بالمصالحة مع ذواتنا ومسامحة أحكام الأجيال السابقة علينا، ومنح الجيل القادم الشعور الجيد الذي سيساعدهم على بناء مستقبلهم. كل الحب لكل الأجيال التي مرت وستمر على هذه الأرض ودمتم بود جميعا.

نور هاني

 

3 277