هل فكرنا يومًا بالصح والخطأ؟

الصح والخطأ

 

حسناً من منا لا يعرف معنى “الصح والخطأ”؟ أعتقد أننا جميعاً نعقل كلمة “الصح والخطأ” ولكن أعتقد أننا لا نعقل، ما هو الشيء الصحيح وما هو الشيء الخاطئ؟

 بدايةً “الصح” هو ما بَرِئَ من كل عيب أو ريب وثَبُتَ وطابق الواقعَ والمنطق، و”الخطأ” فهو الذي كان فيه عيب وريب ولم يثبت ولم يطابق الواقع والمنطق. إصطلاحاً نحن نوافق هذين المعنيين، ولكن يختلف رأينا بالأفكار والأقوال والأفعال التي نضعها تحت هذين المصطلحين بحسب مرجعياتنا وتقبلنا ورضانا عن الشيء الذي نراه. وهنا أقسم الموضوع إلى نصفين:

الأول: وهو المرجعية التي نعود لها لكي نحدد ما هو “الصح والخطأ” فمن أصح المرجعيات التي أصحّت الصحيح وأخطأت الخطأ تماماً؛ هي الكتب والشرائع السماوية التي أنزلها الله على عباده في مختلف العصور، فهي كلام وأوامر الله التي لا تحتمل الخطأ أو الشك وحتى التشكيك فيها. وإنما ما يحدث الآن من تغير وتبديل وتحريف فإنه من ضعف الإنسان وجهله وعدم فهمه وإدراكه لما يقوله الله في كتبه.

وهذا في المقام الأول لأن الإنسان ناقص وضعيف ومحتاج، حتى لو أنه بلغ من العلم ما بلغ فلن يستطيع إدراك وفهم كل شيء من حوله، وفي المقام الثاني وهو الشعف والجهل وقلة الحيلة، فالإنسان تمكن من أنكار بعض الكلام الذي لا يوافق رغبته واحتياجاته، فغير وحرف ما قاله الله لكي يناسب مصلحته ورغباته.

ومن هنا ننتقل للنصف الثاني وهو إدراك البشر “للصح والخطأ” في الأفكار والأقوال والأفعال، وهنا لا يوجد صح مطلق وخطأ مطلق لأن أفكارنا ورغباتنا وحاجاتنا مختلفة. فالصح نسبة تزيد وتنقص والخطأ نسبة تزيد وتنقص، ولا يمكن أن نحدد “الصح والخطأ” من وجهة نظرنا الشخصية أو من إسلوب حياتنا، فنحن لسنا مرجعاً لأحد، وأحياناً لا نكون كذلك لأنفسنا. فنحن الآن ربما نكون موافقين على فعل مُعيّن وبعد عدة أيام أو شهور أو سنوات قد نصبح غير موافقين عليه، فلا يجب أن يكون ما نحدده صحيحاً أوخاطًأ هو ما نقيس به على الآخرين.

فما أراه صواباً لا يشترط أن تراه أنت صواباً، وما أراه خطأً لا يشترط أن تراه أنت خطأً. وكذلك على الجماعات، الذي كان يحدد الصواب من الخطأ هو الشرع الذي يتفق عليه أهل هذه البلدة، وقد اعتمد هذا المنهج من قبل القرن الخامس قبل الميلاد، فقد تحدث السوفسطائيون معلمين يونانيين بارزين في ذاك العصر،‏ وقد علِموا أن مقاييس الصواب والخطأ يقررها الرأي الشائع.

‏ قال أحد هؤلاء المعلمين:‏

«مهما كانت الامور التي تُعتبَر مقبولة وأخلاقية في مدينة معينة،‏ فهي مقبولة وأخلاقية بالنسبة الى هذه المدينة ما دامت كذلك في نظر الناس الساكنين فيها»

ومن ذلك القرن إلى اليوم الذي نعيش فيه ما زال الرأي الشائع هو الذي يحدد “الصح من الخطأ”، وهو يختلف من بلدة إلى إخرى، فمنهم من يعتمد على المرجع الديني، ومنهم من يعتمد على الدستور الذي نصه نظام الحكم، ومنهم من يعتمد على الرأي الشائع بين الناس، ومنهم من يعتمد على العادات والتقاليد التي تناقلوها وتوارثوها عبر الأجيال المختلفة. فهي لا تعتمد على نظرة شخص واحد إن كان ما يناسبه هو الصحيح وما لا يناسبه هو الخاطئ. إنما هي منظومة أحكام توضع حسب مرجعية كاملة متكاملة إن كانت دينية أو مجموعة من الآراء والإتفاقات التي تُعقد بين أهل بلدة معينة يختارون الأحكام والشرائع التي يتفقون عليها جميعاً ويحددونها لتكون هي الدستور الذي يحكمون فيه ويحدد لهم ما هي الأفعال الصحيحة وما هي الأفعال الخاطئة. ومع وجود مرجعية تعود لها لا يمكنك أن تلزم الآخرين بما تتبعه وتأخذ به، فإن كان فيه شيء خطأ وامتنعت عنه، لا يلزم أن يمتنع عنه شخص آخر لديه مرجعية أخرة ولم تمنعه، فلن تستطيع أن تلزم أحد بما أنت ملتزمٌ به، مع إمكانية توضيح الأفكار والأوامر التي تتبعها بموافقتها للواقع والمنطق.

أما كوننا أشخاص فرديين فلا يمكننا أن نقيس على أنفسنا “الصح والخطأ”، فمثلاً لو كنت تقود سيارتك مسرعاً وكان أمامك شخص يقود ببطئ، فلا يمكنك أن تتهمه بشيء لكونه ليس مسرعاً مثلك. وكذلك العكس لو كنت تقود ببطئ وكان خلفك شخص يقود مسرعاً فلا يمكنك أن تتهمه بشيء لكونه ليس بطيئاً مثلك. كذلك الكلام وهو أكثر ما نقوم به فليس كل ما تقوله أنت صحيح وليس كل ما أقوله أنا صحيح.

فالحوارات التي نُقيمها والأفكار التي نتحدث فيها لا نستطيع أن نجزم أن كل ما نقوله أو ندّعيه صحيح أو ما يدّعيه الآخرون هو خاطئ دون العودة إلى مرجعية نتفق عليها جميعاً. أما الحوارات والأفكار التي نتحدث عن رأينا فيها دون العودة إلى مرجعية أو منهجية أو قواعد معيّنة، خصوصاً ما نحب وما نكره. فمثلاً إن كنا نكره الغابات فستكون فكرة الذهاب إليها خاطئة تماماً لأننا لا نحب هذا المكان، أو إن كنا نحب الذهاب إلى المدينة فستكون فكرة الذهاب إليها صحيحة جداً لأننا نحب هذا المكان.

ومثال آخر الطعام فمن يحب أن يأكل الوجبات السريعة باستمرار سيذكر فوائدها ولذتها وأنه من الجيد تناول هذا الطعام! والعكس تماماً مع من لا يحب تناول الوجبات السريعة، وإن ذُكِرت أمامه بدأ بذكر أضرارها وخطورتها ومن الخطأ تناولها.  وقس على ذلك أي شيء يكون تحت الرغبات والحاجات اليومية، وهي لا تحكم الصح المطلق والخطأ المطلق بل تقاس بعدة معاييرمختلفة، وناتج القياس يساوي نسبة من الصح والخطأ ولا يشمل المفهوم العام لكليهما بل تصبح تحت مصطلح “مقبول” أي ما تقوله من أفكار ورغبات وإقتراحات هي مقبولة ولا تشكل أحكام جازمة. بل يمكننا أن نتقبلها وأن نعطيها نسبة من كونها قد تكون صحيحية…

لا يمكننا أن نحدد الصح والخطأ بمجرد أنه لا يعجبنا أو لا يوافقنا أو لا يروق لنا، فيجب علينا أن نتقبل بعضنا على إختلافنا وعلى مرجعياتنا وعلى النسب التي نضعها لأنفسنا وللآخرين لكونها صحيحة أم خاطئة.

“نحن مختلفون في كل شيء فلا يمكننا أن نحصر ما نعلمه وما نتبعه على الجميع”…

 

يوسف سميك

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

0 282