هل نشعر بالرّضا؟

الرِّضَا

 

الرضا هو القبول والموافقة، وهو أن تقبل وتوافق على ما بين يديك وما حولك من أمور وإمكانيات مع السعي لتحقيق ما تريد والحصول على ما تريد. في الأساس، هو الرضا بما أعطاك ورزقك وقسمه لك الله، وهو شيءٌ مفروغٌ منه، فلا شك أن الرب الذي خلقك على هذه الحياة هو الذي قدّر لك كل ما حدث ويحدث وسيحدث لك، وهذا لا يبرر جلوسك وإنتظار ما هو مكتوبٌ لك. بل هو الذي جعلك تختار، بل هو الذي ييسر ويسهل عليك إختياراتك، ووفقك إلى ما ينفعك ويبعدك عن ما يضرك. فمثلاً، القيادة والسفر والزواج والدراسة والعمل والكثير من الأشياء التي نحن من نختارها، والله هو من ييسرها أو يعسرها لحكمةٍ هو يعلمها، ويقيناً في حُكمه هي خير لنا، وهنا يكون الرضا.

الرضا فيما يسّره الله لنا لكي نختاره وفيما عسّره لنا لكي نبتعد عنه، ويجب السعي في ما نريد ومعرفة ما هي حسناته وما هي سيئاته، ثم نختار إذا كنا حقاً نريد هذا الشيء أم لا، ثم نتوكل على الله مع الرضا في تيسيره وتعسيره لنا في سعينا لما نريد تحقيقه.

 

الرضا هو أحد أعمدة الحياة، فإن كنت تعمل عملاً لا تحبه ولكنك كنت راضٍ به وتبذل جهدك وقوَّتك فيه، فاعلم أن هذا الجهد وهذه القوة ستكون سبباً في إيصالك إلى العمل الذي تريده وتحبه. أو إذا أردت أن يصبح حالك أفضل من الحال الذي أنت فيه الآن فعليك بالرضا، فإن رضيت على ما أنت فيه وعملت على نفسك وحسنت من مهاراتك ومعرفتك العامة والخاصة في المجال الذي تريده، ستصل إلى ما كنت تريده وإلى ما كنت تحلم به. هناك الكثير من الأشخاص والحكايات التي عرفناها لأشخاص بدأوا العمل والسعي من غُرفهم أو مستودعاتهم أو كعمال التنظيف أو التوصيل، وبعد عدة سنوات أصبحوا من أفضل المدراء والمسؤولين وأصحاب الشركات في العالم. هذا لأنهم رضوا عن حالهم في البداية وسعوا إلى تغييرها وتحسينها للأفضل ولِما كانوا يريدون.

فإن كنت فقيراً أو أعزباً أو طالباً أو معلماً أو ممرضاً أو في أي حالة كنت بها ساخطاً وكارهاً لها. لا تظن أنها إذا إنقلبت أو تحسنت ستصبح راضياً عن حالك، فكثيراً ما نرى من أعزب يريد الزواج، ومن متزوج يتمنى أن يعود أعزباً لعدم سعادته مع زوجته، ومن فقير يريد أن يصبح غنياً، ومن غني يريد أن يعود فقيراً لكثرة أشغاله والتزاماته، ومن زوج يتمنى أن يكون أباً، ومن أب ساخط على عدد أولاده لكثرة احتياجاتهم، ومن موظف في مكتبه الخاص يريد أن يصبح مديراً على قسمه، ومن مدير يتمنى لو يعود موظفاً لأنه أُثقل بالمسؤليات، والكثير من الأمور التي يتمناها بعضُنا عن بعضِنا فترى “علان” يريد ما يملكه “فلان” و “فلان” يريد ما يملكه “علان” وكلٌ منهما يريدان أن يحصلان على ما يملك بعضهما البعض. فلا يجب النظر إلى ما عند الآخرين وربما لو كانت عندنا لكنا نبحث عن غيرها، ولو سعينا في الحصول على ما هو أفضل من عند الآخرين مع الرضا لِما نملكه الآن، لأصبح لدينا أفضل مما لديهم.

أعتقد أن كلنا نعلم مثال الكوب والنظر على النصف الفارغ والنصف الممتلئ، وفي هذا المثال أريد أن أنبهك على ما هو أهم من النصف الفارغ والنصف الممتلئ، ألا وهو الكوب نفسه! أنت تملك كوباً كاملاً خالٍ من الثقوب والعيوب، وهو أهم من ما في داخله، لأنه ومن خلال الكوب يمكنك جمع الماء فيه مهما كان حجمه، فالكوب هو الأساس، وقياساً على هذا المثال وعلى كلمة الكوب خصيصاً فأنت تملك منزلاً يمكنك الجلوس والنوم والحفاظ على ممتلكاتك فيه. أو أنك تمتلك وظيفة تنفق منها على نفسك وأسرتك، أو أنك تستطيع الذهاب إلى المدرسة والجامعة للتعلم. والأهم من كل ما ذكرناه هو أنك تملك جسداً سليماً معافياً خالياً من العيوب والنقائص… وهذا هو الكوب، أن تملك شيئاً لا تشعر بقيمته أو حاجته حتى تفقده، وهناك الكثير من القصص والصور التي نراها ونسمعها أو حتى تحدث لنا يومياً ولا نشعر بها، فيجب أن تكون واعياً لما تملكه من الأساسيات التي لا تشعر بها في حياتك، ويجب أن تكون راضياً عما أنت به الآن لكي تكون راضياً عما سيحدث لك في المستقبل.

الرضا هنا لا يعني الإستسلام لما يحصل أو لما حدث وسيحدث، بل هو القبول، أي أن تقبل الوضع الحالي الذي يحصل معك وتحاول تغيره للأفضل عن طريق التعلم والعمل واكتساب المعرفة التي تجعلك ميقن تماماً أنه برضاك وقبولك يمكنك تغير وضعك ووضع من حولك للأفضل.

من أفضل ما يحدث لكوننا راضين هو أننا سنكون سعيدين في كل ما نفعل وستكون حياتنا أجمل. فمثلاً لو أن هناك مزارعان يعملان بنفس الجهد يومياً ويُنتِجان نفس المحصول ويَبيعانه في نفس المكان فإن الإختلاف الوحيد الذي بينهما هو أن الأول راضٍ بعمله ومحصوله وتجارته ورضي بما آتاه من ما عمل به، فتراه مبتسماً سعيداً يعامل الناس بلطف وإحترام ومحبة وعندما يعود إلى منزله أو يرى أصدقائه يشكر ويحمد الله على ما رزقه به اليوم ويثني على من ساعده. وأما الثاني تراه باغضاً كارهاً لعمله ومحصوله وتجارته لأنه لم يرها حققت توقعاته، فتراه عابساً جاحداً يُعامل كل من حوله بغلظة وسوء ولا يَكِنُّ إحترامه لأحد وعندما يعود إلى منزله أو يرى أصدقائه تراه يتذمر ويتأفف ويشتم ويتكلم بما يكره الناس سمعه. هنا من الذي سيوفّق وينجح وتتوسع تجارته وأملاكه ومعارفه؟ أو حتى من الذي سيكون سعيداً ومحبوباً ومتفائلاً في حياته؟ بالتأكيد الشخص الأول، لأنه اهتم بشئنه ورضي بما يملك وعمل على نفسه وتجارته، وقدّر من حوله من أشخاص وإمكانيات، فسيكون هناك من يُساعِده ويدعمه ويعينه على أن يكبر ويتوسع وينجح، بعد توفيق الله له. وأما الثاني لأنه لم يرضى بما حصد من ما بذل من جهد، ومع اهتمامه بالآخرين وبما يملكون وما يتنجون ويحصدون، وعدم تركيزه بما لديه، فقد فشل في إرضاء نفسه وقبول من حوله وتوفيق ربه.

فالرضا هو بابٌ للتقدم و التطور والنجاح، وهو بابٌ للطمأنينة والسعادة، وهو بابٌ للسَلام الداخلي وقبول النفس وما فيها وما عليها، والعمل على تحسينها وتطويرها للأفضل.

 يوسف سميك

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

1 39