هل هذا يعقل!

هل هذا يعقل!

تردد هذا السؤال كثيراً خلال العام الماضي على ذهني سواء في حياتي الواقعية أو على مواقع التواصل الإجتماعي، وفي التفاصيل الصغير والكبيرة منها، حيث ما حدث لي من تغيير في شخصيتي كان كبيراً جداً. لم أتخيل يوماً تقبلي لأفكار بعض الأشخاص الذين أعرفهم أو حتى التفكير في رأيهم إلى حين سماعي لمصطلح “البدائلية” على أحد وسائل التواصل الإجتماعي الذي بدأ في طرح “ماذا لو رأيت القصة من جانب أخر؟”  لفت هذا السؤال انتباهي وقرأت تعليقاً من أحد الاشخاص على هذا الموضوع “ماذا لو سمعنا القصة من طرف الذئب هذه المرة ووضعنا جانباً قصة ليلى المعتادة التي لطالما سمعناها؟!”.

على الفور بدأت بتفقد حساباتي على مواقع التواصل الإجتماعي لكن للأسف ما وجدته هو معلومات وصور وفيديوهات وتقارير هنا وهناك لأشخاص يفكرون بنفس طريقة تفكيري ويتبادلون المعلومات التي أعرفها أصلاً. لم يشعرني هذا بالرضا لكن لطالما رضيت به ولم ألحظ ذلك إلا عند حاجتي لمعرفة أخرى. لكن، للأسف لم تكن سوى معلومات أعرفها تتردد هنا وهناك بالتالي خرجت من حسابي إلى حساب اخر أيضاَ على وسائل التواصل الإجتماعي ولكن؛ ما زالت أجد الجانب نفسه من القصة يُعرضُ أيضاَ ونفسُ الأشخاصِ الذين يتبادلون نفس الأفكار بانحياز تام لنفس الفكر…

 حاولت سؤالهم  عن الجانب الاخر من القصة لكن ما وجدته أنهم لا يريدون سوا ذاك الجانب الذي لطالما اعتادوا عليه لدرجة أن التفكير بغيره جريمة وغير مقبول اساساً! بل حاولوا اقناعي بعدم التفكير بغيره و بدأ هجومهم للدفاع عنه مما أدى الى شعوري  بالأسف والضعف وبأني سجين في غرفة واحدة مليئة بنوع واحد من الطعام ومذياع يردد نوع واحد من الموسيقى ونوع واحد من كل شيء في هذه الغرفة… أنا لا اعلم سوى أشياء محدودة حصرت نفسي بها بداخل هذه الغرفة…

خرجت حزيناً وخالي الوفاض اشعر باليأس من معرفة معلومة جديدة إلى حين ظهور صديق قديم لي في الاربعين من عمره لطالما رفضت الحديث معه سابقاً  بسبب اختلاف ارائي معه وأفكاره ايضاَ التي تخالفني. شعرت به يعلم كل ما أمر به فهو دائماً ما كان حكيماً أيضاَ. لكن، أحياناً عند تعصبك لرأي واحد لا تتمكن من رؤية حتى الاشياء الجيدة في الجهة المقابلة! بدأ حديثه ب “لا تقلق العالم اكبر من هذه الغرفة ويوجد العديد من الغرف به لاكتشافها والتعرف عليها”. رافقت صديقي إلى منزله وقبلت بذلك كمحاولة يائسة أخيرة وما ان دخلنا أخبرني بالتصرف كما يحلو لي في منزله ثم بدء بمشاهدة التلفاز بمتابعة برنامج سياسي على أحد القنوات التي لا اتقبلها  ولا اتقبل المذيع الذي يقدمها بل أشعر أني أكرهه بسبب عرضه وأفكاره التي تختلف معي ايضا… كعادتي حاولت لفت انتباهه؛ هل انت جاد في مشاهدة هذا المذيع؟!

إنه منافق وأفكاره وعرضه يتنافى مع المنطق وبالفعل نجحت في لفت انتباهه. صمت صديقي لبرهة… ثم خفض صوت التلفاز وقال لي “أنت ما زالت تعاني من نفس المشكلة، أنا أشاهد وأقرأ جميع الافكار من أي شخص ويجب أن اقوم بتحليلها وفهم الجانب الآخر من القصة. عندها انا اقرر إما أن يقنعني بطرحه أو أن يعزز فكرتي التي لطالما تبنيتها؟!. ما الفائدة من مشاهدتي لمذيع يخبرني ما أعرفه أصلاً ويستمر بإخباري لنفس الأفكار التي أنا على علم مسبق بها؟! الإختلاف بيني وبينك هو أنه لا يمكنني رفض رأيه لمجرد أنه يطرح فكرة جديدة تختلف معي وأيضاَ الإختلاف أني اعلم تماماً بعدم وجود حقيقة كاملة أو فكرة خاطئة بالمجمل. أي فكرة يتم طرحها يجب ان تؤخذ بعين الإعتبار وأخذ الجزء الجيد منها والتأكد من صحتها في حيادية تامة غير منحازة لجانب معين بعد قراءة جميع الأفكار ووجهات النظر لها  ومحاولة عرض فكرة بالمقابل”…

ذهلت تماماً عند سماعي لصديقي وخرجت افكر في سؤال واحد فقط!  أيعقل هذا!… أيعقل هذا! لقد أقنعني صديقي ذلك في فكرة جديدة والأغربُ من ذلك أني إقتنعت بكلامه! بل اني وافقت على المهمة التي أعطاها لي لمساعدتي كما يزعم واني عازم على إتمامها!

 

مهمة في قصاصة ورق!

 تحتوي على سؤال واحد والكثير من التغيير. كانت تحتوي على “ما هي أكثر فكرة تؤمن بأنها صحيحة وتشعر أنك تنتمي لها؟”. عدت إلى المنزل وقد قرأت القصاصة مرات ومرات عديدة ودوامة من الافكار تدور في ذهني ومخيلتي. فريقي المفضل؟ نوع الموسيقى الذي أحب فكرة الفئة الدينية الغير قابلة للجدال؟ البرنامج التلفزيوني المفضل لدي؟ والعديد من الأفكار بدأت تدور في مخيلتي افكار لا تتوقف إلى حين وصلتني رسالة اخرى من صديقي تقول: 

مرحباً صديقي:

 أتمنى أن تصلك رسالتي بعد التفكير في القصاصة التي أعطيتك اياها. أعلم أن الأمر في  بادئه صعب وأن دوامة من الأفكار تدور في مخيلتك. أنا لا أريد منك أن تغيير أفكارك أو ميولك السابقة حالاً. ليس هذا الهدف من مهمة اليوم، المهمة الموكلة لديك هي القراءة عن كل منافس لهذه الأفكار التي خطرت في بالك أو دعنا نقول أن الجانب الاخر من هذه الأفكار ولعلمي يا صديقي أنك محاط بنسخ كربونية من نفس الأفكار التي تؤديها على وسائل التواصل الإجتماعي وسيكون البحث والتعلم ذاتياً من خلال مكتبة الحي  ومحرك البحث على الانترنت. تحياتي صديقك المحب.

اقفلت الحاسوب وأنا في غاية السعادة وشعرت اني في مهمة رسمية ويوجد لي مساحتي الخاصة مع شخص مختلف عني يستمع ويصغي إلى كل ما أقوله. بدأت في المهمة في مكتبة الحي وقد مضت عدة ساعات… هل هذا يعقل!

عدةُ ساعاتٍ وأنا في المكتبة بين الكتب أتقبل الأفكار الآخرى التي لطالما رفضتها دون علم عما هي. لم أغير أفكاري وميولي كما أخبرني صديقي لكن ازدادت معرفتي ومعلوماتي عن الأشخاص الآخرين خارج الدائرة التي أحطت نفسي بها. على الأقل، أصبح بإمكاني الإختيار للقصة التي أريد تبنيها بعد معرفة الجوانب الاخرى، أي أصبح متاحا لدي الإختيار بين عدة خيارات بعد المفارقة بينها ولست محاطاً بخيار واحد كما كنت سابقاً. تقبلت الآخر لمعرفتي أن الإنسان بطبيعته يميل إلى فكرة وإلى قائد وحتى إلى فريق ليمنحه الولاء. 

لم أشعر بالوقت الذي مضى وسعادتي الغامرة بها وتوجهت إلى صديقي لأشكره على انقاذي من هذه الدائرة التي كنت عالقاً بها. تبادلنا الحديث لبعض الوقت وأثناء وداعي من منزله رحب بعودتي في اي وقت إلى منزله باعتبارها مساحة أمنة للتفكير بأي شيء ترغب به دون حواجز أو عوائق. ما ان عدت إلى المنزل بعد هذه الرحلة الطويلة والشاقة في جهدها لكن جميلة في في نتائجها وصلتني رسالة اخرى من صديقي؛ “أتمنى أنك لاحظتَ التغيير بعد هذه المهمة وللمحافظة عى النتائج السابقة وإبقاء روح البحث والتعلم يجب تقليل متابعة الاشخاص المتشابهين معك في التفكير وتابع اشخاص جدد من الفكر الآخر، سنتواصل مجدداً لدرس ومهمة جديدة صديقك المحب”.

أحمد الفحل

0 1636