ياسمينة الشام

ياسمينة الشام

في اليوم التالي يأتي أبو جورج إلى الحي وفي يدهِ حقيبة السفر المتخمة بالذكريات والصور القديمة، يتناولها بيدِه الرفيق أبو عيسى لنوصلهُ إلى محطة القطار الثانية من السِكّة. يفتشها أحدهُم، ويطلب منهُ المُراقب جواز سفره الذي هوَ للمرة الأولى، مسافرٌ أبو جورج إلى سوريا، ينتظر على الحدود بعد أن أوصلهُ القطار إلى المفرق، ويأتي إلى هُنا والسياراتُ مكتظةٌ على بعضها البعض، ينزلُ عند صديقه الرمثاوي ثلاثة أيام، ليجيء ثانيةً ويجد ذات السيّارات على ذات الموقف بانتظار أحدهم ليفتح الحُدود.

الجو مُشمس وصوت القنابل وصيحات الأطفال والنساء والشيوخ تدوي على الجهة المقابلة، يأبى أبو جورج العودة إلى الحيّ. وبقي هُناك حتى أجازوا له الدخول في ثنايا الوطن الآخر، ليتطوع في إحدى المنظمات للإغاثة، وتقوم الحرب على رأسه. كان كُل مرةٍ ينجو فيها وهو يساعد من تضرروا في هذهِ الحرب الدامية، ويسأل نفسه دائماً، هل ستنتهي أم خالدةٌ هي الحرب؟!

يُصاب في إحدى الهجمات في قدمه من شظيّة أكلت من لحمه حتى استقرت بين العظم والأعصاب، لتعطلهُ عن الحركة جزئياً. لا يستطيع أن يعمل ثانية لمساعدة هؤلاء الأطفال الذين هم حوله في المستشفى لتلقي العِلاج، بل أصبح واحداً منهم! يجمعهُم حوله كُل ليلة ليطمئنهُم ويُهّدئ من روعهم، يقول لهُم أن هذهِ الحرب ستنتهي، وتعودون إلى مدارسكم، وتعود سوريا كما كانت… يُذكرهم دائماً أن دوام الحال من المُحال. هو نفسهُ كان خائفاً من تلك المعمعة، ولكنّهُ جاء هُنا ليساعدهُم ويقفَ إلى جانبهم، ويسعى لإنهائها. 

يبدأ أبو جورج بالتعافي تماماً، بعد أن أزال لهُ الطبيب شظيّة الموت تلك، لكي يعود ويُكمل ما بدأ به… وأبعثَ لهُ برسالة:

“رفيقي أبو جورج، علمتُ أن أصابك من الحرب شيئاً، لا أعرفك إلا صاحب الجلد والقوّة، أتمنى لك الشفاء العاجل والعودة لنا سالماً غانم، لن تغنم إلا إذا نشرت في نفوس أصدقائك الأطفال بعض الحُب والمعرفة، أو الحُب للمعرفة، قد خبأتُ لكَ بعض الكُتب في حقيبتك، استخدمها إن شئت في إيقاف الحرب، وابحث في الشام عن مكتبة بقيَ منها ما لم تلمسهُ النيران إثر الحرب. صديقك أبو موسى”.

 

ويفتح أبو جورج حقيبةً ليجد فيها كُتب لبعض المعارف والعُلوم والفلسفات وغيرها، وينظر في الأسفل، ورقةً خُطّت بيّد الرفيق، مكتوب فيها أسماء مكتبات الشام ومواقعهُنَّ. ليعود إلى الملجأ يُفكر بما وجد، وكلمة أبو موسى، أن أوقف الحرب! والسبيل لم يزل غيرَ مفهوم له، لكنّه عندما زار إحدى المكتبات التي لم تصِلها ألسنة اللهب، قال لهُ حارسها، أن رفيقك يقصدَ أن تُعلم وتتعلم هُنا، منذُ أن تركنا المعارف وبدأ الجهل ينهشنا، لم نجد سوى الحرب يا بُني “الحارس يقول” وردد بيتيّ شعر على مسامعه يقول فيهم:

  
قل للذي يدّعي في العلم معرفــــــــــة ً  عُلمت شيئا وغابت عنك أشيـــــــــــاءُ

العلم يبني بيوتًا لا عِماد لها   والجهلَ يهدم بيوت العزِ والكـــــــــرم

 

مضى أبو جورج يُفكر ويحسبُها في رأسه، وقبل أن يصل إلى الملجأ، مُحملاً بالعديد من الكُتب، قرر أن يُدرس الأطفال الذين انتظروه. حال عودته وقف الجميع ينظر إليه باستغراب، وقال لهم: سوف أستخدم تلك الزاوية، من أحب منكُم أن يتعلم يأتي إليّ، نحنُ هُنا ننتظر الحرب أن تتوقف، وأنت يا حسّان أعرف أنك تنتظرها لتنتهي من أجل أن تتزوج صفيّة، هي أيضاً قالت لي هذا.

الكُل هُنا ينتظرُها، لن يكُن هناك وقفٌ إن لم تكُن وقفة.

إني أحُضر هناك للدرس الأول، أنتظركُم!

 

ليقف الجميع مذهولاً غير رابطٍ هذا بذاك، ما معنى أن تتوقف الحرب إن تعلمنا؟! “يسألون انفسهم”!

وما إن جهزّ السبورة وبعض الشروحات، ليجد كلهُم حوله، وتبدأ أول حصة في أول مدرسةٍ في ملجأ الحرب. الحروف والأرقام للأطفال، القصص والتاريخ للكِبار وما دونهم، يستمتعُ الجميع هُنا ويضحكون تارة ويُنصتونَ تارةً أخرى. حتى بدأ أبو جورج أن يلمس الثمرات ويشعرُ بها لمّا استفاق مرّة ليلاً ورأى حسّان وصفية يجلسان بجانب بعضهم البعض ويقول لها ما قال السيّاب بدر:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء…كالأقمار في نهر
يرجه المجداف وهناً ساعة السحر
كأنما تنبض في غوريهما النجوم

 

فرِح لما رآه، ويكأن الحرب تبدلت بالحُب، هذان العاشقان عرِفوا هذهِ المرّة التعبير عن حُبهم، في القادمة حتماً سيخرجون إلى النور. بدأ يُدوّن ويُرسل لي النتائج والملاحظات مع أحدهم وكُنت أنا ابعث له مرةً بنصيحة وأحياناً كتاب، ويأتي أبو عيسى في حينٍ متأخر، ويقول لي “هذه كومة الوُرود قطفتُها من البستان، أرسلها إلى حسّان وصفيّة لعلنا نُدخِل إلى قلبيهم السُرور والفرح، أصبحتُ متلهفاً لرؤيتهم، وأرسل سلامي وأشواقي للرفيق أبو جورج أيضاً”.

ننتقلُ إلى الملجأ ثانيةً، ويزيد أبو جورج من إصراره على تعليم الأطفال وجميع من هُم هُنا، وتبدأ ملامح المكان بالتغيّر، فإن أحدهم قد أتى بياسمينة ساميّة وزرعها على النافذة الوحيدة الداخلُ منها النور الضئيل إلى هُنا. والأطفال يُغنون وأحدهم يكتب الشعر والحوارات القيّمة بين أهالي هذا المكان الذي بدأوا بالتنفس بهِ أكثر. لقد أصبح حديقةً للأفكار والحُب. لا يسلمَ بعض الأحيان من القصف، ولكنهُم أصبحوا أقوى، العلم يبني ما ليس عمادٌ له حقاً، كما قال حارس المكتبة، والحقيبة التي ملأتها مفيدةً جِداً.

لقد أصبح أبو جورج يحظى بالحُب من الجميع، ولقد أصبحوا يحتفلون كُل حصّة، والأطفال تتراقص والأستاذ يطلب الهدوء والإنصات لآخر القصة التي تسرد لهُم، وفي نهايتها ينتصر الحق وينتشر الحُب في المكان… هذهِ سُنّة الحياة يقول أبو جورج.

يقفُ فجأةً حسّان بين الحضور ولم يُكمل أبو جورج قراءته بعد، ليطلُب منه الجلوس والإستماع، لكنهُ رفض وبدأ يقول:

صحيح أن الحرب قد أفقدتكِ أهلك والأقارب، وصحيح أنّي عرفتُكِ هُنا في هذا السجن البائس.

ولكنني أحمدُ الله أني أتيتُ لأجدك بين كل الدمار والحصار يا صفيّة

أنتِ والجميع يعرفون تماماً أني أُريدك لي زوجةً وحبيبةً، لذا ها أنا أطلب يدكِ من الوطن ليزوجني إياكِ!

وتتبسمَ شِفاه صفيّة لتقترب منهُ وتقول،: لو لم تكُن في الحرب لرفضتك، ولكن هيّا لنفعلها أيها الشقيّ.

 

وأول فرحٍ في هذا الملجأ، ويعطيهُم أبو جورج وردَ أبو عيسى من البُستان، ويرقصون الأطفال ليلتها حتى ساعات الفجر الأولى. وهكذا تحولت الحياة من نكدٍ وخوف وحرب إلى حُبٍ وبعض السلام رغم الناشبة في الخارج. هؤلاء هُم من سيوقفون الحرب ويعلنون السلام في أرجاء البلاد التي أُنهِكت تماماً، حيث العلم والثقافة والتاريخ الماثلُ بين يدينا، فالرسالة الواضحة نستشفُها مما قالهُ الحارس مرةً أُخرى، والسلام.

 

محمد عجارمة

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

Related posts مقالات ذات صلة
0 81