يد تبني أو يد تهدم: العنف ضد المرأة

يد تبني أو يد تهدم: العنف ضد المرأة

قصة مبنية من وحي الخيال وأي تشابه في الأحداث أو الشخصيات هو من قبيل الصدفة لا أكثر… كانت هنالك عائلة صغيرة مكونة من أب وأم وإبنة، الأبوين لم يستطيعان إنجاب سوى طفلة واحدة وذلك لأن الأم عانت من صعوبات في الحمل والإنجاب فلم يكن بقدرتها أن تنجب طفل آخر. عندما آتت طفلتهم الوحيدة بعد طول انتظار أسموها فرح من شدة سعادتهما وسرورهما لمجيئها. كبرت فرح تحت ظل حب أبويها لها، في جو أسري مليء بالاحترام والمودة.

ذات يوم أثار فضول فرح أن تسأل والدتها “ماما ليش ما عندي إخوان؟” فأجابتها الأم بحزن وبعينيها بريق من الرضا “هاد ما كان خيار لإلنا أنا وأبوكي”، كان عندي صعوبات في الحمل والإنجاب للأسف! تابعت فرح بسؤال آخر وهي مستغربة “ليش ما عمركم حسستوني بهاد لإشي إنكم بدكم طفل تاني بس مو قادرين تجيبو”، فأجابت الأم بلهفة شديدة “أبوكي يا بنتي، لمّا حكالي الطبيب اني ما رح أقدر أجيب طفل تاني بكيت كتير وانهرت وما قدرت أستوعب الموضوع بس أبوكي وقف جنبي وخلّاني أحس إنك إنتي مهمة وساعدني أربيك أحسن تربية وخلاني كمان أركز على شغلي وشجعني أكمل ماجستير ودكتوراة، بفضل الله وبفضل أبوكي أنا كتير سعيدة وراضية”.

بكت فرح عند سماعها ذلك وقدّرت ما فعله أباها وأمها لها وقالت بحزم والدموع تنهال على خديها “شي يوم رح أخليكي انتي وبابا تكونو فخورين فيّ وترفعو راسكم”. كانت فرح ذكية ومجتهدةً فطالما كانت من الأوائل في مدرستها وحصلت على معدل عالٍ يؤهلها أن تدخل في أي تخصص تريده. إختارت التمريض لتكون المهنة المستقبلية لها فبنظرها أن هذه المهنة تقوم على أساس الإنسانية ولم يكن هدفها إطلاقاً جني المال منها، وكما رباها أبويها على مساعدة وحب الخير للأخرين فأصبحت بالفعل ممرضة متميزة فهي بالإضافة لواجباتها اليومية خلال العمل كانت دائماً تسعى لمساعدة المرضى بالدعم النفسي وتبث في نفوسهم الفرح والتفاؤل.

وها هي تلك الفتاة الصغيرة وفت بوعدها وجعلت أبويها فخوران بها وأصبحت ممرضة عرفت بإنسانيتها ونشرها للسعادة بين المرضى في المستشفى. ذات يوم جاءت فتاة إلى قسم الطوارئ وكانت حالتها حرجة وذلك لوجود الكدمات والجروح كثيرة على جسدها، وعندما سأل الطبيب ماذا حلّ بها فأجابت والدة الفتاة وهي محرجة لاضطرارها للكذب بأنها سقطت من على الدرج! ولكن لما كان لأحد أن يصدقها لوضوح علامات الضرب على جسد الفتاة، تابع الطبيب علاجها بالشكل الطبيعي ولكن فرح لم تستطع أن تكتفي بذلك الادّعاء وتصدقه فحاولت بأن تهدئ من روع الفتاة وسألت “شو إسمك يا حلوة؟” وأجابت بتردد لانا، حاولت فرح بطريقة غير مباشرة أن تتابع بالأسئلة لعلّها تكشف ما حصل بالفعل للفتاة، ولكن فشلت في ذلك وأصرّت لانا ووالدتها على سقوطها من على الدرج، وقبل إخراج الفتاة من المستشفى جاءت فرح وقالت “لانا رح أكتبلك رقمي اذا كنتي بحاجة لمساعدة إتصلي عليّ أنا هون عشان أساعدة أي مريض بدو مساعدة ما تقلقي”، وكتبت رقم هاتفها على ورقة وأعطته للانا.

هذه لانا التي لم تكمل السادسة عشرة من عمرها رجعت إلى البيت وهي خجلة مطأطأة الرأس متألمة مع أنه لم تكن تلك المرّة الأولى التي يضربها أباها بهذا الشكل! ولكن ربما لا أحد يمكنه الإعتياد على الأذى النفسي والجسدي مهما كان. عائلتها التي تتكون من أب وأم وأربع بنات كبرت لانا وهي تشاهد أبويها على خلاف دائم، فهو كان على دوام يعنّف أمها جسدياً ويهينها لفظياً ويوبخها لعدم إنجابها ولد. كانت لانا تحب المدرسة ولكن لم تستطع إكمال دراستها لأن أباها منعها أن تذهب إلى المدرسة بنظره أنّ التعليم لا يُفيد للفتاة لأن في النهاية ستتزوج وتصبح ربة منزل. لانا كانت تعنف من قبل أباها أيضاً بالضرب المبرح بين الحين والآخر. كان والدها يلقي اللوم عليها بالذات لأنها الأكبر سناً بين أخواتها بسبب أنها لم تكن ذكراً ويقول “لو كنتي ولد لكان ساعدني في هالحياة بس انتي واخواتك لعنة من الله اجيتوني، ما رح تنفعيني أبداً أنتِ ما بجي وراكم إلّا همّ علي… رح أزوجك عن قريب حضري حالك”.

كان هذا السيناريو اليومي التي تسمعه لانا من أباها في الآونة الأخيرة خصوصاً كونه بنظره أن أصبح عمرها مناسب للزواج الآن. دائماً كانت تشعر من خلال حديث أباها أو بالأحرى إهاناته اللفظية وتحقيره لها بأنها شخص غير مرغوب به في هذا العالم وكانت تحمل نفسها ذنب بأنها أنثى. بعد خروج لانا من المستشفى حاولت أكثر من مرّة أن تتصل بالممرضة فرح ولكن كانت تتردد في كلّ مرّة خشيةً من أباها أن يعرف. ذات يوم لم تستطع لانا أن تتحمل ما تتعرض له أكثر من ذلك فلقد وافق والدها مؤخراً على رجل تقدم لها وكان يكبرها بالعمر كثيراً وهي لا تريد أن تتزوج. فقررت أن تتصل بفرح ويديها ترتجفان من شدة الخوف ولكن لم تجب على الهاتف فكتبت رسالة لها تقول فيها:

“مرحبا فرح، أنا لانا التقيت فيكي قبل أسبوعين في المشفى، كنت بتمنى لو التقينا في مكان وظروف أحسن وما كنت بهديك الحالة. ترددت كتير قبل ما أتصل فيكي، فأنا يا فرح ظروفي للأسف مش سهله أبداً، كنت حابة احكلك بهداك ليوم إنو أنا ما وقعت عن الدرج وإنو أبوي يللي عمل فيه هيك، وهلا هو ناوي يجوزني لواحد أكبر مني بكتير عشان يخلص مني. كنت بتمنى أكون زيك، أكمل تعليمي وأدرس وأدخل عالجامعة وأكون ممرضة بس بابا ما خلاني أكمل مدرسة. أنا حاسة حالي بسجن ويلي ساجني هو أبوي، سلب مني حريتي وأخد حريتي وحقي بأني أعيش وأتعلم وأحس بالحب والحنان والإهتمام، أنا عم بشوف كل يوم ماما عم تنهان كرامتها بس عم تتحمل عشاني أنا وإخواتي. بتمنى يوم أتحرر من هالسجن وأقدر أعيش زيي زي أي بني آدم…”

وهذه أمنية لانا التي تشبه الكثير من الأماني التي تتمناها الكثير من الفتيات والنساء حول العالم، الحرية من سجن العنف والإهانة. ورأينا نتائج البيت المبني على الحب والإحترام للأنثى والبيت المبني على العنف وتحقيرها، ولكم حرية التمييز!

مقال لجمان الحديد

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

0 307