خير الكلام

خير الكلام

 

كثيراً ما سمعنا المثل القائل (خير الكلام ما قل ودل) وهو من الأمثال الصحيحة والتي نحاول أن نطبقها. لكن نحن نحب الكلام، نحب التحدث في أي شيء، لا نستطيع أن نجلس صامتين لبعض من الوقت! فإن كنا جالسين في أحد المجالس التي لنا فيها حيزٌ للتكلم لا نكاد نصمت وإن صمتنا يتحدث شخصٌ آخر ولا يكاد يصمت أيضا. وهنا لا أستبعد إنشغالنا عن هواتفنا، فنحن حتى مع إنشغالنا على هواتفنا ففي أغلب وقتنا الذي تقضيه عليه نكون نتحدث مع أشخاص نعرفهم من خلال هذه الهواتف إما بالمكالمات الصوتية أو الفيديو أو الرسائل النصية. وهنا لا أحصر المثل أنه صحيح ويجب أن نطبقه [مع إتفاقي معه] ولكن في هذا القرن الذي يسوده الهدوء الكلامي ويمتلئ بالضوضاء الصناعية ومع انغماسنا في العالم الرقمي ومواقع التواصل الإجتماعي أحُثُ على الكلام وليس أي كلام بل الكلام الجيد والمفيد والخيّر.

 

دعني أتكلم إليك ببعض الكلام والذي أتمنى أن يكون جيداً ومفيداً لي ولك، فأقول:

الكلام هو من أهم الوسائل التي نتواصل مع بعضنا من خلالها. بل هي من أهم وسائل التعبير التي استخدمها البشر منذ الخلق، فمن خلالها نعبر عن أنفسنا ومشاعرنا ورأينا وما نحب وما نكره. أي أنها مجموعة ألفاظ يعبِّر بها الإنسانُ عمّا بداخله، وهناك تقسيمات للكلام فمنها: الكلام الفارغ: أي الكلام الذي لا يُؤبَه له، والكَلاَمُ فِي النَّحْوِ: أي الجُمْلَة المُرَكَّبَة المُفِيدَة، وعِلْمُ الكَلاَمِ: أي العِلْم الذي يَبْحَثُ فِي العَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ، والكلام المعسول: وهو الكلام الذي فيه مداهنة وتملُّق… إلى آخره من التقسيمات التي تُفرّع إلى جُمل ومصطلحات. ولكن ما أريد أن أتحدث عنه هنا هو “خير الكلام” أو “الكلام الجيّد” وهو القسم الذي يجمع كل الجُمل والمصطلحات الجيدة والخيّرة والمفيدة التي تجعلنا نطمأن ونحب ونتودد لبعضنا البعض.

فمن هذه الجمل أو المصطلحات: أن تبدأ وترد التحية أو أن تسأل عن أحد وتطمأن عليه أو أن تشكر أو تثني على أحد. هذه المصطلحات كلها من خير الكلام، أو الجمل والمواضيع المفيدة والتي يتخللها الكلام الجيّد مثل الجلسات التعلّمية والمحاضرات التوعوية والمعرفية وحتى خطب الجمعة أو الدروس المختلفة، فكلها أماكن يتداول فيها الكلام الجيّد. قال الله سبحانه وتعالى عن الكلام في سورة إبراهيم: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)) إلى قوله تعالى (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (26))، وهنا تم تشبيه الكلام الطيب بالشجرة ذات الجذور الثابتة ومفعول الكلام الطيب كالفروع في السماء أي التأثير القوي الإيجابي.

وفي الآية الأخرى تم تشبيه الكلام الخبيث والسيء كشجرة الخبيثة ذات الجذور الفاسدة التي قطعت الشجرة من فوق الأرض والتي ليس لها فائدة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرءًا قال خيرًا فغنم، أو سكت فسلم)، وهذا ما نريده الخير بالكلام. لا نريد أن نكثر الكلام في من الكذب، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والخوض في أعراض الناس، والكلام فيما لا يعنينا، والإستهزاء بالآخرين، والسخرية منهم، وغير ذلك كثير، وهذا الذي أُسميه “الإسهال الكلامي”.

أي الكلام الكثر الذي لا يؤخر ولا يقدم والذي لا نحكمه أو الذي يوقعنا في أمور يصعب علينا الخروج منها، فعلينا أن نحكم أنفسنا فيما نقول وما نتكلم به. أي أن لا يكون كلامنا إلا خير. ولا أقول أن نلتزم بالعربية الفصحى أو أن لا نتكلم إلا بالكتب السماوية أو بكلام الأنبياء أو كلام العرب، لا بل بأي لغة أو طريقة أو أسلوب نستخدمه للتواصل مع الآخرين. لا يجب أن يحتوي على الألفاظ النابية أو الكلمات الجارحة أو المصطلحات السيئة والتي تؤثر سلباً على الآخرين، ويرتبط مع الكلام الطريقة والأسلوب ونبرة الصوت التي يكون لها تأثيرٌ أيضاً في الكلام الذي تريد إيصاله للآخرين.

لا تقل أنه لا يوجد أو لا تستطيع التحدث في مواضيع جيدة ومفيدة. بل نحن لا نريد ليس لكونه لا يوجد فمثلاً هذا المشروع “الخطاب البديل” وهذه المواضيع المقالات التي تطرح فيه أكبر دليل على وجود محتوى جيّد وخيّر ومفيد. يمكنك أن تأخذ منه بعض المقالات والمصطلحات وتتناقش بها في مجلسك مع أسرتك أو أصدقائك أو زملائك في الدراسة والعمل. وهذا هو ما نسعى للوصول إليه وأن نكون مدركين على ما نتكلم ونتحاور به وعلى ما نطرحه من أفكار ومصطلحات وأن ندخل الكلام الجيد في جميع مواضيعنا المتداولة دون أن تزّل ألسنتُنا بكلام لا نحبه ولا نريد أن نسمعه ممن حولنا لأننا نعلم أنه يوصلهم ويوصلنا إلى التجاهل والكره وممارسة العنف مع بعضنا البعض.

فمن خير الكلام ما ذكرته سابقاً في المقالات التي كتبتها بدايتاً من “هرم المحبة” فهو الذي يصنف الدرجات التي نكون فيها والدرجات التي نريد الوصول لها. فتبدأ بالشعور أو النفس أو النيّة ثم الكلام ثم الأفعال، هذه هي الخطوات الأهم في أي عمل تقوم به. فلا يخرج الكلام الجيد ولا الفعل الجيد دون الشعور الجيد لأن الشعور هو أهم خطوة للقيام بالأمور، فيجب أن نضبط شعورنا ونفوسنا ونوايانا لكي نستطيع أن نضبط كلامنا لكي نضبط أفعالنا.

 

 

أخيراً: خير الكلام هو ما تحب أن تسمعه أنت، وما أحب أن أسمعه أنا.

 

مقال ليوسف سميك

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

1 63